في تاريخ كرة القدم المصرية مباريات كثيرة ارتبطت بنتائج وأهداف وبطولات، لكن مباراة غزل المحلة والطيران التي أقيمت يوم السادس من أكتوبر عام 1973 تظل حالة مختلفة تمامًا، لأن أحداثها تزامنت مع واحدة من أهم اللحظات في تاريخ مصر الحديث، عندما بدأت القوات المسلحة المصرية تنفيذ عملية العبور واستعادة الضفة الشرقية لقناة السويس.
المباراة أقيمت على ملعب الترسانة في القاهرة، ضمن منافسات الدوري المصري موسم 1973-1974، وانطلقت في فترة الظهيرة، بينما كانت مصر تدخل في الساعات الأولى من حرب أكتوبر. والأغرب في القصة أن اللاعبين داخل الملعب لم يكونوا في البداية على علم بحقيقة ما يحدث خارج الاستاد،. في الوقت الذي كانت فيه الأخبار تصل إلى الجماهير عبر أجهزة الراديو.
مباراة عادية قبل أن يتغير كل شيء

دخل غزل المحلة اللقاء باعتباره حامل لقب الدوري في الموسم السابق، بعدما حقق بطولة موسم 1972-1973، وكان الفريق وقتها يضم مجموعة من أبرز لاعبي الكرة المصرية،. من بينهم عمر عبدالله وحنفي هليل وعدد من العناصر التي تركت بصمة في تاريخ النادي.
أما الطرف الآخر فكان نادي الطيران، وهو الفريق الذي أصبح اسمه في تلك الساعات مرتبطًا بالطيران المصري الذي شارك في الضربة الجوية وبداية العمليات العسكرية.
صافرة الحكم إبراهيم الجويني أعلنت بداية اللقاء بصورة طبيعية، ولم يكن المشهد داخل الملعب مختلفًا في البداية عن أي مباراة أخرى في الدوري. لاعبو الفريقين داخل المستطيل الأخضر،. والجماهير في المدرجات، وكل طرف ينتظر نتيجة المباراة.
لكن خارج الملعب كانت مصر تعيش لحظة تاريخية.
هتاف غريب أربك لاعبي غزل المحلة

خلال المباراة، فوجئ لاعبو غزل المحلة بجماهير فريقهم تهتف للطيران،. وهو أمر لم يكن منطقيًا من وجهة نظر اللاعبين، خصوصًا أن الجماهير حضرت لمؤازرة فريقها وليس المنافس.
المشهد أثار دهشة الموجودين في أرض الملعب، لأن الهتاف لم يكن مرتبطًا بهدف أو لقطة فنية أو تصرف من أحد لاعبي الطيران.
وبحسب الروايات التي نقلت شهادات عدد من لاعبي غزل المحلة الذين شاركوا في اللقاء،. فإن السر كان موجودًا في المدرجات،. حيث كان بعض المشجعين يتابعون الأخبار عبر أجهزة الراديو الصغيرة التي كانت وسيلة أساسية لمعرفة ما يحدث في البلاد وقتها.
ومع وصول أنباء بدء العمليات العسكرية وعبور القوات المصرية قناة السويس،. تحولت المدرجات إلى مساحة للاحتفال،. وأصبح الهتاف للطيران تعبيرًا عن الفرحة بالطيران المصري والضربة الجوية التي سبقت العبور.
لماذا هتف جمهور المحلة للطيران؟

هذه هي النقطة التي جعلت المباراة تتحول من مواجهة كروية إلى قصة يتناقلها المصريون حتى اليوم.
جمهور غزل المحلة لم يكن يغير انتماءه في المدرجات، ولم يكن الهتاف موجهًا بالمعنى الرياضي إلى نادي الطيران المنافس، وإنما ارتبط بما كان يحدث في سيناء.
ففي الوقت الذي كان فيه لاعبو الفريقين يتعاملون مع المباراة باعتبارها مواجهة في الدوري،. كان المشجعون الذين وصلتهم أخبار الحرب يعرفون أن الطائرات المصرية بدأت تنفيذ مهمتها، وأن القوات المسلحة بدأت عبور قناة السويس.
ومن هنا أصبح اسم “الطيران” داخل الملعب يحمل معنى آخر تمامًا.
الهتاف الذي أثار استغراب لاعبي المحلة تحول إلى لحظة وطنية بعدما عرف اللاعبون حقيقة ما يجري.
حنفي هليل يكشف كواليس اللحظة
ظل حنفي هليل، أحد نجوم غزل المحلة في تلك الفترة، يتحدث في مناسبات مختلفة عن المباراة واللحظات التي عاشها اللاعبون داخل ملعب الترسانة.
ووفق رواياته المنشورة، فإن لاعبي المحلة لم يفهموا في البداية سبب تشجيع جماهيرهم للفريق المنافس،. قبل أن تتضح الصورة مع وصول أخبار العبور وبدء الحرب.
كما تحدثت روايات أخرى عن أن أجواء المباراة تغيرت بصورة واضحة بعد معرفة اللاعبين والجماهير بما يحدث،. وأصبحت نتيجة اللقاء أقل أهمية بكثير أمام الأخبار القادمة من جبهة القتال.
هل كانت المباراة جزءًا من خطة الخداع الاستراتيجي؟

هذه النقطة تحتاج إلى قدر من الدقة عند تناولها.
عدد من الروايات الصحفية وشهادات بعض المشاركين وصف استمرار النشاط الرياضي قبل الحرب بأنه كان ضمن حالة عامة من التمويه والخداع الاستراتيجي،. بهدف الحفاظ على صورة الحياة الطبيعية داخل مصر، وهو ما ساعد على عدم كشف توقيت التحرك العسكري.
لكن لا يصح اختزال الأمر في أن مباراة غزل المحلة والطيران وحدها كانت “الخطة” أو أنها أقيمت تحديدًا لخداع إسرائيل؛. فالمباراة كانت جزءًا من منافسات الدوري المقررة مسبقًا،. بينما جاءت قيمتها التاريخية من تزامنها مع بدء الحرب وما حدث داخل المدرجات.
وهنا تكمن أهمية القصة؛ فالمشهد لم يكن تمثيلية داخل ملعب،. وإنما مباراة حقيقية استمرت في وقت كانت فيه القوات المصرية تخوض معركة العبور.
لماذا استمر الدوري حتى السادس من أكتوبر؟

كان الدوري المصري موسم 1973-1974 قد بدأ بالفعل قبل اندلاع الحرب، وكانت مباريات الجولة الخامسة تُقام على يومين.
أقيمت غالبية مباريات الجولة يوم 5 أكتوبر، بينما كان من المقرر استكمال بعض اللقاءات في اليوم التالي، ومن بينها مباراة غزل المحلة والطيران، إلى جانب مواجهة الإسماعيلي والمصري.
وبالتالي، لم تكن مباراة المحلة والطيران مواجهة جرى ترتيبها في اللحظات الأخيرة بسبب الحرب، بل كانت مدرجة ضمن جدول المسابقة، قبل أن تتغير كل الحسابات بعد بدء العمليات العسكرية.
ملعب الترسانة شاهد على لحظة لا تتكرر

ملعب الترسانة في القاهرة أصبح في ذلك اليوم شاهدًا على مفارقة صعبة التكرار.
داخل الملعب كانت هناك مباراة في الدوري، وفي المدرجات جمهور يتابع كرة القدم،. وفي الوقت نفسه كانت القوات المصرية تعبر قناة السويس وتبدأ مرحلة جديدة من الحرب.
ولهذا ارتبط اسم المباراة في الذاكرة الرياضية المصرية بفكرة أن كرة القدم كانت موجودة في قلب الحدث،. حتى وإن لم يكن اللاعبون في البداية يعرفون حجم ما يجري خارج أسوار الملعب.
وتشير المصادر إلى أن المباراة بدأت في الثانية والنصف ظهرًا،. وهو توقيت يتزامن مع الفترة التي بدأت فيها العمليات العسكرية المصرية، ما جعل اللقاء واحدًا من أكثر المباريات ارتباطًا بذكرى السادس من أكتوبر.
ماذا حدث بعد المباراة؟
بعد تصاعد أحداث الحرب، لم يعد استمرار النشاط الرياضي أولوية.
وفي مساء السادس من أكتوبر، اتجه اتحاد الكرة إلى إيقاف النشاط الكروي وإلغاء مسابقة الدوري،. ليتحول اهتمام الرياضيين والأندية إلى المجهود الحربي ومتطلبات المرحلة الجديدة التي دخلتها البلاد.
وهكذا انتهت واحدة من أغرب جولات الدوري المصري، بعدما توقفت كرة القدم أمام حدث أكبر من الملاعب والبطولات.
كرة القدم والجنود في حرب أكتوبر

لم يكن ارتباط الرياضة المصرية بحرب أكتوبر مقتصرًا على مباراة المحلة والطيران.
عدد من الرياضيين ولاعبي كرة القدم كانوا في الأصل أفرادًا بالقوات المسلحة أو الشرطة، وشارك بعضهم في الحرب أو عادوا إلى وحداتهم بعد انتهاء المباريات.
وتكشف شهادات تاريخية أن أسماء رياضية معروفة ارتبطت بالقوات المسلحة خلال تلك الفترة،. وهو ما يعكس طبيعة المجتمع المصري وقتها، عندما كان كثير من الرياضيين يؤدون أدوارهم العسكرية إلى جانب حياتهم الرياضية.
مباراة لم يتذكرها المصريون بسبب النتيجة
المفارقة الأهم أن شهرة مباراة غزل المحلة والطيران لم تأت من نتيجة المباراة أو ترتيب الفريقين في جدول الدوري.
حتى تفاصيل النتيجة النهائية ظهرت بصور مختلفة في بعض الروايات الصحفية؛ فمصادر ذكرت التعادل الإيجابي بهدف لكل فريق،. بينما نشرت مصادر أخرى رواية تشير إلى التعادل السلبي. ولهذا فإن القيمة التاريخية للمباراة لا تتعلق بالنتيجة بقدر ارتباطها باللحظة التي أقيمت فيها وما شهدته المدرجات من هتافات بعد وصول أخبار الحرب.
وهذا تحديدًا ما يجعل القصة مختلفة عن أي مباراة أخرى.
فالناس لم تحفظ أسماء الهدافين أو تفاصيل الفرص، وإنما حفظت المشهد الأشهر: جمهور غزل المحلة يهتف للطيران، واللاعبون يحاولون فهم السبب، ثم يعرف الجميع أن مصر دخلت الحرب وأن القوات المسلحة بدأت عبور قناة السويس.
من مباراة في الدوري إلى جزء من ذاكرة أكتوبر
بعد مرور أكثر من نصف قرن، ما زالت مباراة غزل المحلة والطيران تُذكر كلما جاءت ذكرى انتصارات أكتوبر.
السبب أن كرة القدم في ذلك اليوم خرجت مؤقتًا من إطارها المعتاد. لم يعد المدرج مجرد مكان للتشجيع، ولم يعد اسم الفريق المنافس يعني شيئًا أمام فرحة المصريين بأخبار العبور.
كانت المدرجات تسمع الأخبار عبر الراديو، والملعب يشهد مباراة، بينما التاريخ كان يُكتب في مكان آخر.
ومن هنا أصبحت مباراة غزل المحلة والطيران واحدة من القصص التي تجمع بين الرياضة والتاريخ؛ مباراة بدأت بصافرة حكم وانتهت في الذاكرة المصرية كصورة من صور اليوم الذي تغيرت فيه البلاد.
قصة غزل المحلة والطيران يوم السادس من أكتوبر 1973 لا تحتاج إلى مبالغة حتى تبدو استثنائية.
يكفي أن نتخيل المشهد كما كان: لاعبو كرة قدم داخل ملعب الترسانة يخوضون مباراة في الدوري،. وجماهير في المدرجات تعرف من أجهزة الراديو أن الحرب بدأت،. ثم ينطلق هتاف للطيران في الوقت الذي كانت فيه الطائرات المصرية تنفذ مهمتها ضمن معركة العبور.
وبينما كان اللاعبون في البداية لا يفهمون سر الهتاف، كان المصريون في المدرجات يعيشون لحظة تاريخية لا علاقة لها بنتيجة مباراة أو نقاط بطولة.
لهذا بقيت مباراة غزل المحلة والطيران حاضرة في ذاكرة الكرة المصرية،. ليس باعتبارها مجرد مواجهة في الدوري، وإنما باعتبارها شاهدًا رياضيًا على يوم السادس من أكتوبر،. اليوم الذي امتزجت فيه أصوات المدرجات بأخبار المعركة، وتحول فيه هتاف بسيط باسم “الطيران” إلى واحدة من أشهر الحكايات في تاريخ الرياضة المصرية.



