كيف عزز هجوم السابع من أكتوبر عقيدة السور الإسرائيلية؟

تستند العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ ثلاثينيات القرن الماضي إلى مبدأ أساسي يركز على الأمن أولا وأخيرا. يمثل شعار السور والبرج ركيزة أساسية في الفكر الاستيطاني للحركة الصهيونية قبل قيام الدولة. تطورت هذه الوسائل عبر العقود من أسوار خشبية وبسيطة إلى حواجز إلكترونية معقدة وقبة حديدية في السماء. رغم هذا التطوير المستمر، ظلت الفكرة الجوهرية ثابتة لا تتغير أبدا وتعتمد على العزل التام. مع ذلك، تعرض هذا المفهوم لاختبار غير مسبوق في التاريخ الحديث عندما اقتحم المقاتلون الأسوار مع ساعات الصباح الأولى. أثار هذا الاختراق صدمة عميقة لدى المستوطنين وأعاد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة مرتبطة بسقوط خط بارليف عام 1973. لقد أثبت السابع من أكتوبر أن سقوط الجدران يعني خطرا وجوديا مباشرا على حياة السكان داخل البلدات.
جذور عقيدة السور والبرج في الفكر الإسرائيلي
تعود جذور الفكر الأمني الإسرائيلي إلى حقبة الانتداب عبر أسلوب حوماه فمجدال المعروف بالسور والبرج. فضلت القيادات الاستيطانية آنذاك بناء التحصينات العسكرية على الاعتماد الفردي على المحراث أو المعول. تحولت هذه الفلسفة تدريجيا لتصبح جزءا أصيلا من الحمض النووي الأمني للمجتمع. تحيط الأسوار اليوم بالبيوت والمستوطنات والبلدات بشكل كامل ودون استثناء. كما تقيم إسرائيل جدرانا عازلة ضخمة حول قطاع غزة والضفة الغربية وحدودا محصنة مع دول الجوار. تتطلب هذه العقيدة حماية دائمة من كافة الاتجاهات لمنع أي تهديد خارجي محتمل. لم تتغير هذه الفلسفة الأساسية رغم مرور نحو قرن كامل على صياغتها الأولى. تغيرت الوسائل التقنية وحدها بينما بقي الهدف الاستراتيجي قائما وثابتا في وجدان المؤسسة الأمنية.
صدمة السادس والعشرين من أكتوبر وسقوط الجدران
استيقظ الإسرائيليون في السادس والعشرين من أكتوبر على واقع مرعب هدد أسس عقيدتهم الأمنية بشكل مباشر. سقطت الأسوار الإلكترونية المتقدمة وانتقل القتال العنيف إلى داخل المستوطنات والبلدات في غلاف غزة. مثلت هذه اللحظات صدمة نفسية هائلة لكل من يعيش خلف الجدران وتحت حماية التكنولوجيا العسكرية. استرجعت وسائل الإعلام الإسرائيلية ذكريات حرب أكتوبر عام 1973 وسقوط خط بارليف الحصين. رغم سقوط ذلك الخط التاريخي قبل خمسين عاما، صمدت العقيدة الأمنية في ذلك الوقت وبقي القتال بعيدا. أما في السابع من أكتوبر، فقد دارت المعارك داخل المدن وأسفرت عن مقتل ألف ومئتي إسرائيلي في يوم واحد. أدرك الجميع حينها أن انهيار الأسوار يترتب عليه ثمن كارثي وفادح لا يمكن تحمله.
التحول نحو سياسة المناطق العازلة وحماية الحدود
تتجه إسرائيل اليوم نحو فرض واقع أمني جديد يعتمد على إنشاء مناطق عازلة عميقة في محيط حدودها. يرفض القرار السياسي العودة إلى الأسوار التقليدية بعد الدروس القاسية التي تلقاها الجيش في معارك الغلاف. يبحث صناع القرار عن سيناء جديدة تفصل بينهم وبين التهديدات المحتملة في غزة ولبنان وسوريا. تعني هذه السياسة إخلاء مناطق واسعة من سكانها وتحويلها إلى مناطق قتل محظورة أمام أي عابر. يمثل هذا التوجه ثمنا سياسيا وأمنيا تفرضه تل أبيب على الجوار ردا على اختراق قدس أقداسها. لن تجرؤ أي حكومة مستقبلية على الحديث عن الانسحاب والعودة إلى الأسوار القديمة بسهولة بالغة. أصبح السابع من أكتوبر تحذيرا صارخا يرفعه المسؤولون بوجه كل من يفكر في تقويض الأمن.
الخاتمة
تؤكد التطورات الميدانية الأخيرة أن عقيدة السور والبرج لن تتراجع قريبا رغم الهزات العميقة التي تعرضت لها. لقد بات السابع من أكتوبر علامة فارقة وفاصلة في تاريخ التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي المعاصر. تصر المؤسسة الأمنية على تعزيز تحصيناتها وفرض مناطق عازلة واسعة لضمان عدم تكرار تلك الصدمة. يدرك الساسة والجنرالات أن التخلي عن هذه السياسة يهدد بقاء الدولة في محيط مضطرب. لذلك، ستستمر سياسة الجدران والأسوار العالية بوصفها الضمانة الوحيدة بنظر القيادة هناك لدرء المخاطر القادمة.



