ملحمة العبور المستحيل…. كيف حطّمت إرادةُ الشعب المصري أسطورةَ الجغرافيا وأعادَتْ رسمَ خريطة الشرق الأوسط؟
تخيّل للحظة صمتَ الرمال قبل العاصفة.. تخيّل وهن الجبال التي ظنّ العدو أنها تفصل بين الحلم واليقظة، وبين الهزيمةِ والأمل. في الثانية التي انطلقت فيها المدافع، لم تعبر مياهُ القناة جنوداً يحملون بنادقهم فحسب، بل عبرت إرادةُ أمةٍ بأكملها كانت ترفض أن يُملى عليها تاريخُها بحبرِ الانكسار.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركةٍ تُسطر في الكتب، بل كانت الصرخة التي أعادت للبشرية كرامتها، وللمصريين روحهم، حين أثبتوا أن السلاحَ الأقوى ليس هو الدبابة أو الطائرة، بل العقل المصري الذي يخطط، والقلب المصري الذي يصدق، والإرادة المصرية التي لا تعرف المستحيل.
قبل أن نتحدث عن طلقات الرصاص، يجب أن نتحدث عن انتصار العقل. كانت إسرائيل تمتلك آنذاك أعلى منظومة استخباراتية في العالم، وتدعمها أقمار التجسس الأمريكية. لكن العبقرية العسكرية المصرية، ممثلة في عقول العباقرة مثل الفريق سعد الدين الشاذلي والفريق كمال حسن علي، نسجت ستاراً من الخداع الاستراتيجي لم يسبق له مثيل في التاريخ العسكري الحديث.
تحت ستار التمارين العسكرية المتكررة التي اعتاد عليها العدو، وتحرك القوات في شهر رمضان وفي يوم عطلة “الغفران” اليهودي، تمكنت مصر من إخفاء حشود مئات الآلاف من الجنود، وآلاف المدافع، وقوارب العبور. لقد باغتت مصر العالم في لحظة ظن فيها العدو أن الجيوش العربية أصبحت في عداد الماضي.
لم يكن “خط برليف” مجرد خط دفاعي، بل كان أسطورةً هندسية كلفت إسرائيل مليارات الدولارات، وتتكون من ساتر ترابي بارتفاع 20 متراً يطل على القناة. ظنّ الإسرائيليون أن كسره يحتاج لشهور من القصف الجوي والأسلحة النووية.
لكن المهندس المصري، بعقله المتقد، ابتكر حلاً عبقرياً: “مضخات المياه”. في سابقة تاريخية، استخدم الجيش المصري قوة المياه نفسها لتدمير الساتر الترابي، محطماً بذلك كل معادلات الهندسة العسكرية الغربية. ومع اقتحام الضفة الشرقية، كتب جنود المشاة المصريين بدمائهم أروع ملاحم البطولة؛ فواجهوا دبابات العدو بصدورهم وبأسلحتهم الخفيفة، محققين ما عجزت عنه الجيوش النظامية الكبرى
الجبهة الداخلية: المحرك الحقيقي للنصر ونبض الأمة
لم يكن انتصار أكتوبر عسكرياً فحسب، بل كان انتصاراً للمجتمع بأكمله. حين تعبر القوات القناة، كانت مصر بأكملها تعبر نحو المجد.
المرأة المصرية: التي لم تكن مجرد راعية للبيت، بل كانت في المصانع تعمل بديلاً عن الرجال الذين توجهوا للجبهة، وفي المستشفيات تداوي الجراح، وعلى خطوط الإنتاج تصنع الذخيرة.
التلاحم الشعبي:ذابت الفوارق بين الغني والفقير، وتوحد المسلم والمسيحي تحت راية الوطن. كانت صور المسلمين والمسيحيين يصلون معاً في الخنادق، ويتشاركون لقمة الخبز، هي التجسيد الحقيقي لعبارة “الشعب والجيش يد واحدة”.
الأطفال والشباب: الذين تبرعوا بمدخراتهم، وجمعوا التبرات، وكتبوا رسائل التشجيع للجنود، مؤكدين أن هذه الحرب هي حرب وجود وليس مجرد حدود.

أحدثت حرب أكتوبر زلزالاً جيوسياسياً هزّ أركان العالم. لم تكن مجرد حرب إقليمية، بل كانت رسالة من مصر للعالم أجمع بأن توازن الرعب قد انتهى.
استخدام مصر لـسلاح النفط عبر حظر التصدير للدول الداعمة لإسرائيل، أشعل فتيل أزمة طاقة عالمية، وأجبر واشنطن على التدخل المباشر لإنقاذ حليفتها. لقد أدرك هنري كيسنجر وواشنطن وموسكو أن الشرق الأوسط لن يُدار بعد السادس من أكتوبر 1973 بنفس قواعد اللعبة القديمة. استعادت مصر عافيتها، ومهدت الطريق لاتفاقية السلام التي جاءت من موقع القوة والند للند، وليس من موقع المهزوم.
اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة عقود على تلك الملحمة، لم يعد أكتوبر مجرد ذكرى نحتفل بها، بل هو منهجية يجب أن نعيش بها.
أكتوبر يصرخ في أذاننا اليوم: إذا كان آباؤنا قد عبروا القناة ببنادقهم وإيمانهم ليحرروا الأرض، فإن الواجب اليوم يقتضي أن نعبر بـعقولنا وعملنا لنحرر المستقبل، ونبني الدولة، ونصنع الاقتصاد.
في السادس من أكتوبر، لم تعبر مصر القناة فحسب، بل عبرت من هزيمة إلى أمة، ومن الوهم إلى الواقع. ولتبقى ذكرى أكتوبر خالدة، ما دام في هذا الشعب نبضٌ بالحياة، وما دامت إرادته قادرة على رفض الانكسار.
إنها مصر.. التي إذا أرادت، لم يستطع العالم كله أن يمنعها عن إرادتها.



