الشباب والعمل العام .. حين تنهار جسور الثقة والمعنى بين الأجيال
كتب: المستشار عبد الرحمن يوسف
على مدار يومين كاملين، فتحتُ مساحة حوار مفتوحة داخل مقر المؤسسة الوطنية للشباب. استمعتُ فيها لعشرات الشباب من مختلف الأعمار والأطياف والتوجهات. لم تكن الغاية إلقاء مواعظ أو تقديم توجيهات أبوية. كانت الغاية هي الإنصات المجرد والصريح لما يدور في عقول هذا الجيل بلا وسيط أو تجميل.
خرجتُ من هذه الجلسات بمشهدين يفرضان نفسيهما كأعراض واضحة لأزمة صامتة:
الأول: فجوة معرفية صادمة في الثقافة الوطنية والعامة. هناك انقطاع شبه تام عن فهم طبيعة الدولة، وتاريخ مؤسساتها، وآليات إدارتها. يعيش الشاب داخل الجغرافيا كعابر سبيل لا يعنيه ما يدور حوله.
الثاني: تحول “السفر” من مجرد طموح مهني إلى “عقيدة خلاص جماعية”. باتت الهجرة هي المسار الأوحد للنجاح في وعي الأغلبية الساحقة، وذلك بعد أن تعطلت في نظرهم مصاعد الحراك الاجتماعي في الداخل.
ولكن، هل هذا السلوك مجرد تمرد أو استسهال؟
الحقيقة الصلبة التي لا بد من مواجهتها هي أن ما لمسته في الحوار ليس حالة «كسل» أو «لا مبالاة» عابرة. ما نراه هو تحول بنيوي ونفسي عميق. ترتبط ظاهرة العزوف عن الشأن العام بالفجوة الجيلية التي تشكلت بعد عام 2011 ارتباط العَرَض بالمرض. العزوف هو النتيجة الطبيعية لانهيار جسور الثقة والمعنى بين جيلين يعيشان في واقعين متباينين تماماً.

أولاً: لماذا يعزف الشباب فعلياً عن المشاركة والعمل العام؟
العزوف الحالي ليس رفضاً للمبدأ. إنه انسحاب عقلاني مدفوع بتقدير دقيق للموقف وفق معادلة الشباب الحالية:
أزمة «الجدوى والأثر».. معضلة الصوت الضائع:
المحرك الأساسي لأي عمل تطوعي أو سياسي أو مدني هو الإيمان بإمكانية إحداث تغيير ملموس. ترى الشريحة الكبرى من الشباب اليوم أن مساحات التأثير الفعلي مغلقة أو شكلية. تحول العمل العام في نظرهم إلى فعاليات استعراضية. حين يشعر الشاب أن وجوده مجرد «ديكور» لإكمال مشهد مؤسسي، يصبح الانسحاب هو القرار الأكثر حفظاً لكرامته ووقته.
الانتقال إلى «اقتصاد النجاة الفردية»:
الضغط الاقتصادي العالمي والمحلي المتسارع أعاد ترتيب الأولويات بشكل جذري. لم يعد لدى الشاب رفاهية التبرع بجهده ووقته في قضايا عامة. هو محاصر بأسئلة وجودية تمس مستقبله الأساسي، مثل الدخل، وتوفير المسكن، وسوق العمل الرقمي، وفرص السفر. أصبح التفكير السائد: “إن لم أنقذ نفسي أولاً، فلن ينقذني أحد، والعمل العام لن يدفع فواتيري”. ومن هنا بالتحديد تسقط المعرفة الوطنية من حساباته. العقل يُسقط طواعية كل معلومة لا تخدم معركة نجاته اليومية.
اختلال معادلة «الكلفة مقابل العائد»:
كان العمل العام تاريخياً يحمل نوعاً من رأس المال الاجتماعي والمكانة. اليوم، أصبحت كلفة الانخراط في الشأن العام محفوفة بالريبة والمخاطر، سواء كان الانخراط سياسياً أو حقوقياً أو نقابياً وتنموياً. يرافق ذلك انعدام العائد الشخصي أو المجتمعي. لذا تحول الانخراط العام في وعي الجيل الجديد إلى «مغامرة غير محسوبة».
عقم الأطر التقليدية وهياكل «الأبواب المغلقة»:
المؤسسات التقليدية، من أحزاب ونقابات وجمعيات قديمة، ما زالت تدار بعقلية هرمية يعود تاريخها لسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. تتطلب هذه المؤسسات التدرج البيروقراطي، وإبداء الولاء، والانتظار في الطابور. نشأ هذا الجيل على سرعة التكنولوجيا وحرية الفضاء الرقمي. بالتالي، لا يمكنه التأقلم مع هياكل تتطلب منه أن يكون «تابعاً» لسنوات قبل أن يُسمع صوته.


ثانياً: جذور الفجوة الكبرى بين الأجيال بعد2011
فجوة ما بعد 2011 ليست فجوة عمرية طبيعية بين آباء وأبناء. إنها قطيعة إبستيمولوجية ونفسية حادة أحدثها زلزال سياسي وتكنولوجي واجتماعي متزامن. يمكن تفكيك هذه الفجوة في أربعة محاور:
صراع السرديات: «سردية الأمان» مقابل «سردية المعنى والحياة»:
الأجيال الأكبر (الآباء): تتغذى ذاكرتهم على الخوف من عدم الاستقرار، وهاجس الحفاظ على الأساسيات كالأمان الفيزيائي والستر وكفاية العيش. بالنسبة لهم، تقديم التنازلات والصبر على الواقع هو قمة العقلانية لحماية البقاء.
جيل ما بعد 2011: رأى أفقاً كان يمكن فيه للعالم أن يتغير، ثم شهد انكسار تلك اللحظة. أو هو جيل أصغر من أبناء الجيل Z، فتح عينيه ليجد عالماً تحكمه خيبات سابقة وأزمات اقتصادية متلاحقة. هذا الجيل لا يكتفي بفكرة «البقاء على قيد الحياة». هو يبحث عن جودة الحياة، والحرية الشخصية، والتقدير. يرى هذا الجيل أن منطق الآباء هو استسلام وليس حكمة.
انهيار احتكار المعرفة ومرجعيات التوجيه:
قبل عام 2011، كانت السلطة المعرفية مركزية ومحصورة في المدرسة، والجامعة، وشاشات التلفزيون المحدودة، والأسرة، والمنبر الديني. بعد 2011 والانفجار الرقمي، تشكل وعي الشباب من مصادر عالمية لا مركزية وخوارزميات متباينة بالكامل. أصبح معيار المقارنة عند الشاب ليس «كيف عاش والده في التسعينيات»، بل كيف يعيش نظيره في طوكيو أو برلين أو وادي السيليكون. بناءً على ذلك، فقد الخطاب الأبوي والتوجيهي التقليدي قدرته على الإقناع.
الانتقال من «أخلاق التضحية» إلى «الاستحقاق الفردي»:
تربت الأجيال السابقة على تمجيد التضحية بالذات في سبيل الجماعة، سواء كانت الأسرة أو الوطن أو المؤسسة. يتبنى جيل ما بعد 2011 مفاهيم مختلفة تماماً. تشمل هذه المفاهيم الحدود الشخصية، والصحة النفسية، والتوازن بين الحياة والعمل، والبحث عن المكسب السريع الملموس. يرى الجيل القديم هذا السلوك أنانية ونرجسية، بينما يراه الشباب حماية للنفس من استنزاف بلا نهاية.
لغة الحوار المفقودة:
يخاطب الجيل الأقدم الشباب بلغة الواجبات، والصبر، والدين، والامتنان لما هو متاح. في المقابل، يفكر الشباب بلغة الفرص، والنتائج، والشفافية، والاستحقاق. يتحدث الطرفان نفس المفردات العربية، لكن حمولتها الدلالية مختلفة جذرياً. حوّل هذا الاختلاف أي نقاش مشترك إلى مسارين متوازيين لا يلتقيان.

نقطة الالتقاء: أين ذهبت طاقة الشباب؟
لم يفقد الشباب شغف الفعل، لكنهم أعادوا توجيهه خارج الفضاء العام الكلاسيكي.
الشاب الذي يعزف عن الانضمام لحزب أو حضور ندوة عامة، قد تجده يبني مجتمعاً تقنياً مستقلاً على الإنترنت. أو تجده ينخرط في مبادرة بيئية صغيرة على نطاق ضيق. قد يوجه أيضاً كل طاقته لتعلم مهارة تمكنه من العمل عن بُعد مع شركات دولية، ليتقاضى دخله بالعملة الصعبة من داخل غرفته.
لقد كفر الشباب بـ«المشاريع الكبرى» التي خذلتهم. لجأوا بدلاً منها إلى «المشاريع المصغرة» التي يملكون التحكم فيها ويدركون نتائجها المباشرة.
المعادلة القادمة: سد الفجوة بالأدوات لا بالوعظ
إن محاولة استعادة هذا الجيل بالخطابات الإنشائية رهانٌ أثبت إفلاسه التام. كذلك، فإن مطالبته بالتضحية في الفراغ بينما هو يواجه وحيداً واقعاً اقتصادياً شرساً أمرٌ غير مجدٍ.
لن يلتفت الشاب إلى الشأن العام، ولن يشعر بارتباط حقيقي بجغرافيا واقعه، إلا إذا امتلك أولاً أدوات القوة والاستقلال التي تجعله نداً للعالم. تتلخص هذه الأدوات في منحه القدرة على خلق القيمة، والمنافسة الدولية، وفرض شروطه. يحدث ذلك دون انتظار لمصاعد اجتماعية معطلة أو استجداء لفرص غائبة.
لقد انتهى زمن الوعظ. المدخل الوحيد لإعادة بناء الثقة لا يبدأ من المطالبة بالمشاركة، بل يبدأ من تسليح هؤلاء الشباب بالمفاتيح الأكثر تطوراً وشراسة في عصرنا الحالي. هذه التقنيات لا تعيد لهم الأمل بالشعارات، بل تمنحهم السيطرة الكاملة على مستقبلهم المهني والمعرفي.
حين تصبح أدوات القوة في أيديهم، تسقط سردية العجز. تتراجع رغبة الهروب لحساب القدرة على الفعل. وهنا فقط، يبدأ التغيير الحقيقي.




