هيلين جارنر.. كاتبة تحدت الانتقادات وثلاث زيجات وصنعت مجدها في الثمانين
استطاعت الكاتبة الأسترالية هيلين جارنر أن تصنع لنفسها مكانة استثنائية في عالم الأدب،هيلين جارنر.. كاتبة تحدت الانتقادات وثلاث زيجات وصنعت مجدها في الثمانين
رغم ما واجهته من انتقادات حادة وأزمات شخصية وتجارب زواج مؤلمة،
لتتحول في عامها الثالث والثمانين إلى واحدة من أبرز الأصوات الأدبية التي تحظى باهتمام عالمي متزايد،
بعد سنوات طويلة من التجاهل خارج أستراليا.
وفي حوار صحفي حديث، تحدثت جارنر عن مسيرتها الأدبية، وتجاربها العاطفية،
وتأثير الانتقادات على حياتها وكتاباتها، مؤكدة أن التعرض للكراهية والرفض لم يكن نهاية الطريق بالنسبة إليها،
بل منحها قدرًا أكبر من الحرية والجرأة في التعبير عن أفكارها دون محاولة إرضاء الآخرين.
من طفولة صارمة إلى بداية أدبية جريئة

وُلدت هيلين جارنر في أستراليا، ونشأت في مدينة جيلونج بالقرب من ملبورن
، وسط أسرة كبيرة كان والدها خلالها شخصية صارمة ومسيطرة،
وهو ما تسبب في خلافات متكررة بينهما، خاصة مع طبيعة نشأتها
في منزل لم تكن الكتب جزءًا من حياته اليومية.
وبعد التحاقها بجامعة ملبورن، بدأت جارنر الابتعاد عن القيود الأسرية،
وخاضت تجارب حياتية مختلفة انعكست لاحقًا على أعمالها الأدبية،
لا سيما روايتها الأولى «Monkey Grip» التي صدرت عام 1977،
واستلهمت أحداثها من تفاصيل حياتها الشخصية وعلاقاتها المضطربة خلال تلك الفترة.
وتناولت الرواية قصة امرأة تُدعى نورا، تعيش مع طفلتها في منزل مشترك بمدينة ملبورن،
وتدخل في علاقة متقلبة مع رجل مدمن على الهيروين،
لتقدم جارنر من خلالها صورة واقعية عن الحب والاضطراب العاطفي والحياة غير المستقرة.
«الحجر الأول».. كتاب وضعها في مواجهة عاصفة من الانتقادات

لم تكن مسيرة جارنر خالية من المواجهات، إذ أثار كتابها «The First Stone» الصادر عام 1995 جدلًا واسعًا في أستراليا،
بعدما تناول قضية اتهام طالبتين جامعيتين لمسؤول بإحدى الكليات بالتحرش بهما.
وقدمت الكاتبة قراءة أثارت اعتراضات واسعة، بسبب تساؤلاتها بشأن ردود الفعل تجاه الواقعة وانتقادها ما اعتبرته شكلًا عقابيًا من النسوية،
وهو ما عرضها لهجوم شديد، ووصل الأمر إلى وصفها بأنها «نسوية سيئة» ومتمردة على التيار النسوي.
ورغم شعورها بالحزن والضيق نتيجة الهجوم، أكدت جارنر أنها لم تندم على نشر الكتاب ولو للحظة،
مشيرة إلى أنها تلقت نحو 800 رسالة من القراء،
وحرصت على الرد عليها جميعًا، حتى الرسائل التي تضمنت إساءات شخصية.
واعتبرت أن التجربة منحتها حرية أكبر في الكتابة،
وجعلتها تتوقف عن محاولة تقديم أفكار تبدو مثالية أو مقبولة للجميع،
مؤكدة أن التعرض للكراهية قد يكون تجربة تمنح الإنسان قوة وصلابة بدلًا من تدميره.
ثلاث زيجات وتجارب عاطفية تركت أثرها في كتاباتها

على المستوى الشخصي، خاضت جارنر ثلاث تجارب زواج، بدأت بزواجها الأول من بيل جارنر،
الذي التقت به خلال دراستها الجامعية وأنجبت منه ابنتها الوحيدة أليس،
قبل انفصالهما عندما كانت الطفلة في الثانية من عمرها.
ثم تزوجت الصحفي جان جاك بورتايل، الذي تعرفت إليه خلال إقامتها في باريس
أواخر سبعينيات القرن الماضي، لكن العلاقة انتهت عام 1985.
أما زواجها الثالث فكان من الكاتب موراي بيل، الذي انتقلت بسببه إلى سيدني،
قبل أن تنتهي علاقتهما بانفصال مؤلم ترك أثرًا واضحًا في مذكراتها.
وتحدثت جارنر بصراحة عن صعوبة الزواج، معتبرة أنه من أصعب التجارب التي يمكن أن يخوضها الإنسان،
بل وصفته بأنه أكثر صعوبة من تربية الأطفال في بعض الأحيان.
كما كشفت أن انتهاء زواجها الأخير منحها شعورًا بالتحرر،
وساعدها على اكتشاف طبيعتها الحقيقية ككاتبة متخصصة في الأعمال غير الروائية،
بعدما ظلت لفترة طويلة تتأثر بتصورات صارمة حول الأشكال الأدبية وقيمتها.
من الرواية إلى أدب الجريمة الحقيقية

شهدت مسيرة جارنر تحولًا مهمًا نحو الكتابة غير الروائية،
خاصة بعد نجاح كتاب «The First Stone»، لتصبح واحدة من أبرز الأسماء المرتبطة بأدب الجريمة الحقيقية،
من خلال أعمال تناولت قضايا قتل ومحاكمات جنائية حقيقية.
ومن أبرز أعمالها في هذا المجال كتاب «This House of Grief»،
الذي تناول قضية روبرت فاركوهارسون، المدان بقتل أطفاله الثلاثة،
واستغرق إنجازه نحو ثماني سنوات بسبب تطورات القضية وإجراءات الاستئناف.
كما قدمت كتاب «Joe Cinque’s Consolation» الصادر عام 2004،
والذي تناول مقتل الشاب الأسترالي جو سينكي، في قضية مؤلمة أثارت اهتمامًا واسعًا.
وعلى الرغم من شكوكها المتكررة في قدرتها على استكمال بعض مشروعاتها،
فإن إصرارها على مواصلة الكتابة ظل حاضرًا، حتى في أصعب مراحل مسيرتها.
«The Season».. الجدة التي وجدت حكايتها في ملعب كرة القدم
وفي أحدث مشروعاتها الأدبية، تعود جارنر بكتاب «The Season»، المقرر صدوره في 5 نوفمبر،
والذي تستلهم فكرته من متابعتها حفيدها أمبروز خلال مشاركته في
موسم لكرة القدم الأسترالية مع فريق للناشئين تحت 16 عامًا.
واختارت الكاتبة الابتعاد عن التحليلات الاجتماعية والرياضية التقليدية،
لتقدم حكاية إنسانية من منظور جدة تتابع حفيدها وزملاءه خلال التدريبات والمباريات،
وترصد تفاصيل العلاقات والمشاعر والتجارب اليومية.
وتوضح جارنر أنها أرادت تقديم صورة حقيقية عن الجدات بعيدًا عن النظرة العاطفية المثالية،
وهو ما جعل الكتاب قريبًا من شريحة من القارئات اللاتي وجدن فيه مساحة للتعبير عن تجاربهن.
اعتراف عالمي بعد سنوات من التجاهل
وبعد عقود من عدم حصول أعمالها على التقدير الكافي خارج أستراليا،
تشهد جارنر اهتمامًا عالميًا متزايدًا، إذ أعيد إصدار عدد كبير من كتبها في الولايات المتحدة،
وأصبحت قادرة على جذب مئات القراء إلى فعالياتها الأدبية،
كما حظيت باهتمام شخصيات ثقافية وفنية بارزة.

ومن أبرز مظاهر هذا الاهتمام ظهور أحد كتبها في مسلسل «And Just Like That»،
إلى جانب استضافتها في بودكاست المغنية دوا ليبا.
كما حصلت مذكراتها الأدبية المنشورة العام الماضي على جائزة بايلي جيفورد،
وهو ما عزز حضورها في المشهد الأدبي العالمي.
ورغم هذا التقدير المتأخر، لا تزال جارنر تنظر إلى الكتابة باعتبارها رحلة مستمرة من المحاولة والشك والمثابرة،
مستلهمة عبارة للشاعرة آن كارسون تختصر فلسفتها في الحياة والعمل: «لا خيار سوى أن تواصل التجديف».



