جنون ترامب قد يخدم جنوب أفريقيا: كيف يمكن لتحامل واشنطن أن يدفع عجله الإصلاح ؟
جنون ترامب قد يخدم جنوب أفريقيا: كيف يمكن لتحامل واشنطن أن يدفع عجلة الإصلاح؟

في الوقت الذي تتعرض فيه جنوب أفريقيا لعاصفة انتقادات حادة من قبل إدارة دونالد ترامب والمحافظين الأمريكيين، يبدو أن هذه الهجمة رغم ما تحمله من مبالغات ومزاعم خاطئة عن “إبادة بيضاء” قد تكون بمثابة حافز غير متوقع لإطلاق إصلاحات اقتصادية وتشريعية عميقة داخل البلاد. فالرئيس الأمريكي العائد إلى البيت الأبيض لا يُخفي عداءه العلني لحكومة سيريل رامافوزا، ويتهمها بإذكاء العنف ضد الأقلية البيضاء وتهديد مصالح واشنطن وحلفائها، على رأسهم إسرائيل.
في خطوة تصعيدية، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يقضي بوقف المساعدات الأمريكية لجنوب أفريقيا، بما في ذلك تمويل علاجات الإيدز الحيوية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين. وفي الوقت ذاته، يضغط ترامب لإخراج جنوب أفريقيا من اتفاقية “أغوا”، التي تتيح لها الوصول التفضيلي إلى الأسواق الأمريكية. وبينما يتخوف البعض من تداعيات هذه الخطوات، يرى آخرون—وخاصة داخل أوساط رجال الأعمال والإصلاحيين—فرصة سانحة لإعادة تقييم السياسات الاقتصادية المحلية، وفي مقدمتها قانون “التمكين الاقتصادي للسود” الذي أثار لغطًا داخليًا وخارجيًا واسعًا.
ورغم أن النفوذ الأمريكي قد تراجع نسبيًا لصالح الصين وشركاء آخرين في القارة، فإن الضغوط الخارجية من واشنطن تفتح بابًا لإعادة النقاش حول مسارات الاقتصاد الجنوب أفريقي، وهي فرصة قد تستغلها النخب الإصلاحية لتبرير تحولات طال انتظارها، في مواجهة تيارات الداخل المحافظ.
ترامب يوقف المساعدات ويتهم بريتوريا بمهاجمة البيض
في فبراير الماضي، وقع دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يقضي بوقف المساعدات الأمريكية لجنوب أفريقيا، متهمًا حكومة رامافوزا بالتواطؤ في “عنف ممنهج ضد البيض”، خاصة مزارعي “الأفريكانر” من أصول هولندية وفرنسية وألمانية. كما وصف قانون الإصلاح الزراعي الجديد، الذي يتيح نزع الملكية دون تعويض، بأنه هجوم على الممتلكات الخاصة.
لقاء متوتر في البيت الأبيض يقلب الطاولة على رامافوزا
في مايو، زار الرئيس الجنوب أفريقي البيت الأبيض على أمل الحفاظ على امتيازات بلاده في “أغوا”، لكن اللقاء تحوّل إلى فخ سياسي. عرض ترامب خلاله مقاطع لسياسيين معارضين يرددون شعارات عنيفة ضد البيض، مدعيًا—دون دليل—أن المسؤولين في جنوب أفريقيا يدعون لقتل المزارعين والاستيلاء على أراضيهم.
الاعتماد على واشنطن يتراجع ولكن الخطر ما زال قائمًا
رغم تراجع أهمية السوق الأمريكية لجنوب أفريقيا—إذ لم تتجاوز الصادرات نحوها 13% من إجمالي التجارة في 2023—يبقى فقدان امتيازات “أغوا” خطرًا مباشرًا، خاصة على قطاعات الزراعة وصناعة السيارات، والتي تعتمد على هذه الاتفاقية لتوفير قرابة 300 ألف وظيفة.
مدينة كيب تاون على خط المواجهة الاقتصادي
كيب تاون، بوصفها مركزًا لتصدير الحمضيات والنبيذ ومحركات السيارات، تواجه مخاطر مركزة إذا تم استبعاد جنوب أفريقيا من “أغوا”. رئيس بلديتها المنتمي لحزب التحالف الديمقراطي قال صراحة: “لقد تعاملنا مع أمريكا بطريقة مروعة لسنوات”.
قوانين التمكين الاقتصادي للسود تحت المجهر من جديد
تعرضت قوانين “BEE” لانتقادات من قبل المستثمرين الأجانب بسبب فرضها نقل ملكية نسب من الشركات إلى رجال أعمال سود، وهي خطوة يرونها تمييزية وغير عملية. بالمقابل، بدأت الحكومة تخفيف هذه القوانين في بعض القطاعات، مثل السماح لشركة “ستارلينك” بتقديم خدمات مجانية للمدارس بدلًا من تقاسم الملكية.
إصلاحات خجولة لكنها تتسارع تحت الضغط
تشير مصادر داخلية إلى أن الحكومة كانت مترددة في تعديل قوانين التمكين خوفًا من ردود فعل الجناح المتشدد داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم. لكن مع تصاعد الضغوط من المستثمرين الدوليين وشخصيات مثل إيلون ماسك، بدأت مرونة جديدة تظهر في السياسات التنظيمية.
المعارضة الوسطية ترى فرصة في العاصفة
يقول زعيم حزب “رايز مزانسي”، سونغيزو زيبي، إن قانون نزع الأراضي تم تخفيفه بشكل كبير مقارنة بما كان يطالب به اليسار الراديكالي. ويعترف بأن تحركات جنوب أفريقيا الانفرادية في قضية غزة أزعجت حتى الديمقراطيين في واشنطن، لكنه يفضل تحالف بلاده مع قوى صاعدة كالصين والبرازيل.
المجتمع المحلي يرفض الرواية الأمريكية عن “إبادة بيضاء”
داخل الأحياء الفقيرة مثل “خايليتشا”، يقول أصحاب المقاهي ورواد المشاريع الصغيرة إن اتهامات ترامب لا تمت للواقع بصلة. كثير منهم لا يعرف أصل المساعدات الأمريكية إلا بعد تهديدها، ويؤكدون أن الفقراء السود هم الأكثر عرضة للعنف، وليس المزارعين البيض كما تدعي واشنطن.
بعض الضغط الخارجي قد يُترجم إلى إصلاح داخلي
يرى بعض السياسيين أن ضغوط ترامب رغم طابعها العدائي، توفر غطاءً سياسيًا لمن يطالبون بإصلاحات داخلية، خصوصًا في قوانين الملكية والاقتصاد. فهي تسمح لهم بالقول: “انظروا، العالم يعاقبنا بسبب سياساتنا الجامدة”.
عاصفة سياسية قد تنقذ سفينة الإصلاح الجنوب أفريقية
رغم أن ترامب لا يسعى سوى لتسجيل نقاط داخلية لدى ناخبيه المحافظين، فإن ردة الفعل الجنوب أفريقية قد تُفضي إلى شيء مختلف تمامًا. إذا أحسن الإصلاحيون استغلال هذه اللحظة، فإن العاصفة القادمة من واشنطن قد تفتح نوافذ كانت موصدة منذ زمن طويل أمام التحول الهيكلي داخل جنوب أفريقيا.