كارثه تكساس: فيضان نهر غوادالوبي يحصد الأرواح ويكشف هشاشه الاستعدادات
كارثة تكساس: فيضان نهر غوادالوبي يحصد الأرواح

في مشهد مأساوي يخلّف ألماً عميقاً في قلب أميركا، اجتاحت مياه نهر “غوادالوبي” المرتفعة مناطق واسعة من ولاية تكساس، متسببة في مقتل ما لا يقل عن 32 شخصاً بينهم 14 طفلاً، مع استمرار البحث عن عشرات المفقودين. وبينما تسابق فرق الإنقاذ الزمن وسط أنقاض المعسكرات المغمورة والمنازل المنهارة، بدأ يتكشف عمق الأزمة التي لم تكن مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل فضحت قصوراً صارخاً في نظم الإنذار المبكر والتخطيط العمراني في واحدة من أكثر مناطق الولايات المتحدة عرضة للفيضانات المفاجئة.
الحدث المأساوي وقع في “هِل كانتري”، وهي منطقة تشتهر بجمالها الطبيعي الساحر، ولكنها تُعرف أيضاً باسم “زقاق الفيضانات المفاجئة” لخطورتها الجغرافية. أكثر المشاهد إيلاماً كانت في معسكر “ميستيك”، المعسكر المسيحي العريق للفتيات، حيث لا تزال 27 فتاة مفقودة، وسط أنباء عن مقتل أطفال صغار مثل “جيني هنت” ذات التسعة أعوام. في غضون دقائق، تحول المكان الذي ضجّ بضحكات الصغيرات إلى ساحة للبحث عن الجثث والنجاة. هذه لم تكن مجرد عاصفة، بل تحذير شديد اللهجة من المستقبل.
فيما يلي أبرز محاور الكارثة:
غياب الإنذار المبكر وتضارب المعلومات الرسمية
أقرّ مسؤولو المقاطعات المتضررة بعدم وجود نظام فعّال للتحذير من الفيضانات، مع تأخر أو ضعف تنبيهات الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية. الأمر الذي أدى إلى مفاجأة السكان بالمياه وهي تقتحم منازلهم ليلاً دون سابق إنذار. مسؤولة محلية قالت: “استيقظت لأجد الماء تحت قدمي داخل المنزل… لم أسمع أي صفارات إنذار”.

مأساة معسكر ميستيك: أطفال بين التيارات
معسكر “ميستيك” الواقع قرب مدينة “هانت” استقبل هذا الصيف أكثر من 750 فتاة تتراوح أعمارهن بين 8 و16 عاماً. وبينما نجا بعضهن بالتمسك بالأشجار أو الطفو على وسائد حتى وصلن إلى معسكرات قريبة، ما زالت فرق الإنقاذ تبحث عن 27 فتاة في عداد المفقودين. المعسكر الذي تأسس عام 1926 كان بلا كهرباء أو شبكة اتصال وقت الكارثة، مما أعاق جهود الاستغاثة.
موجات طوفانية قاتلة: منسوب النهر قفز 30 قدمًا خلال 90 دقيقة
بيانات الأرصاد الجوية أظهرت أن منسوب نهر غوادالوبي ارتفع من 3 إلى 34 قدمًا خلال ساعة ونصف فقط، مصحوبًا بانفجار في حجم التدفق المائي من 95 إلى 166 ألف قدم مكعب في الثانية، وهو معدل لا يحدث إلا مرة كل ألف عام، حسب باحثين من جامعة كولورادو.

خطر مناخي متصاعد: الاحتباس الحراري يتدخل
يرى علماء المناخ أن هذه الكارثة هي نموذج لما سيحدث بوتيرة متصاعدة بسبب التغير المناخي. فارتفاع حرارة الأرض يزيد من قدرة الغلاف الجوي على حمل الرطوبة، وبالتالي تضاعف حدة العواصف. تقرير مناخي رسمي توقع زيادة بنسبة 10% في كثافة الأمطار الغزيرة بتكساس بحلول 2036.
فقدان الأمل وبصيص النجاة
بينما أُعلن عن وفاة مديرة معسكر “Heart O’ the Hills” جين راغسديل، تم إنقاذ بعض الفتيات من معسكر “Waldemar” المجاور. وفي مشهد مؤثر، تجمعت عائلات أمام مراكز لم الشمل تنتظر خبرًا عن أبنائها، وسط دموع الأمل والخوف.

استجابة فدرالية متأخرة
الرئيس ترامب أعلن موافقته على إعلان “كارثة كبرى” في تكساس، ما يفتح الباب أمام مساعدات فدرالية. إلا أن انتقادات طالت الحكومة لتقليصها تمويل الأبحاث المناخية وتجميد تحديثات هيئة NOAA، المسؤولة عن التقديرات المطرية والبنية التحتية المائية.
السياحة مقابل الأمان: ازدهار عمراني في منطقة مهددة
شهدت المنطقة نموًا سكانيًا وسياحيًا كبيرًا في العقد الأخير، وسط بناء معسكرات وسدود ومنتجعات بالقرب من مجاري الأنهار، دون مراعاة كافية لمخاطر الفيضانات. مشاهد من الخراب كشفت عن سيارات مقلوبة وشوارع مدمرة ومنازل جرفها التيار بالكامل.
قصص فردية: بين الموت والحياة
من بين القصص المؤلمة، اختفاء قائد مطافئ تطوع للنجدة في منطقة “ماربل فولز”، واختطاف سيارة فتاة مراهقة بتيار المياه في “كو كريك”. في المقابل، روى مشرّعون وذوو ضحايا قصص نجاة مدهشة لأطفال تمسّكوا بالحياة في عز العاصفة.
التضامن الشعبي: الأمل في قلب المأساة
مراكز الإيواء المؤقتة امتلأت بالمتطوعين، ومنشآت مثل “جامعة شراينر” وكنائس محلية قدمت الطعام والمأوى. أحد المعلمين المحليين قال: “برغم المأساة، لم أشك لحظة في أن مجتمعنا سيقف معًا”.
الخلاصة: كارثة لا يجب أن تتكرر
بينما تستمر عمليات البحث والإنقاذ، هناك درس واضح يجب أن يُستخلص: الطبيعة تغيّرت، ومعها يجب أن تتغير نظم التخطيط، والإنذار، والاستجابة. ما حدث في تكساس ليس استثناءً، بل جرس إنذار لما قد تشهده مناطق كثيرة في عالم يتغير مناخيًا بشكل متسارع.

