العوده الى القرن التاسع عشر:لماذا تفشل سياسية ترامب ومحوره العالمي في تأمين الاستقرار ؟
"العودة إلى القرن التاسع عشر: فشل سياسة ترامب في تأمين الاستقرار العالمي"

بينما تتغير ملامح العالم بسرعة بفعل التكنولوجيا والاقتصاد المعولم وتحديات الأمن الجماعي، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُدير سياسته الخارجية كما لو كان يعيش في القرن التاسع عشر. رؤيته للعلاقات الدولية تقوم على فكرة “مناطق النفوذ” التي تتقاسمها القوى الكبرى، في ما يشبه إعادة إحياء نظام توازن القوى الذي ساد أوروبا في القرن الذي سبق الحربين العالميتين.
لكن هذا التصور، بحسب تحليل لمجلة الإيكونوميست، لا يضمن لا الأمن ولا الاستقرار، بل قد يُفضي إلى عالم أكثر اضطرابًا وخطورةً.
من روزفلت إلى ترامب: إرث النفوذ مقابل قيم القانون
في عام 1906، مُنح الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت جائزة نوبل للسلام بعدما توسط لإنهاء الحرب بين روسيا واليابان. لكن “السلام” الذي فرضه لم يكن قائمًا على العدل، بل على حسابات النفوذ وتوازن القوة. فقد دعم روزفلت انتصار اليابان، لأنه أراد إضعاف روسيا—الخصم الجيوسياسي الأكبر لأمريكا آنذاك في آسيا—دون تدميرها، كي تظل رادعًا لطموحات اليابان الصاعدة.
مبدأ روزفلت كان بسيطًا: قسّم العالم بين القوى العظمى، وأجبر الدول الصغيرة على الطاعة. وهي نفس النظرة التي يبدو أن ترامب يعتنقها اليوم، في تعامله مع روسيا والصين، بل وحتى مع أمريكا اللاتينية.
ترامب ومناطق النفوذ: إعادة تدوير لعقيدة استعمارية
ترامب لا يُخفي إعجابه بهذا النهج، بل يسعى لإعادة تطبيقه بصيغة “أمريكا أولًا”. ففي نصف الكرة الغربي، يريد استعادة السيطرة الأمريكية على مداخل قناة بنما، ويعارض المشاريع الصينية في أمريكا اللاتينية بشدة. كما ألمح إلى أن روسيا لها “حق مشروع” في الشعور بالتهديد من توسع حلف الناتو، في تبرير ضمني لعدوان موسكو على أوكرانيا.
وفي آسيا، يحذر نجله دونالد ترامب جونيور من “مضايقة التنين الصيني”، ويدعو لتفاهم يضمن التعايش مع بكين ضمن معادلة قوة تجنّب الحرب. إنها دعوة ضمنية للاعتراف بالصين قوة إقليمية كبرى لها امتيازات في محيطها.
ما بعد الحرب الباردة: عندما تخلّت أمريكا عن هذا النهج… مؤقتًا
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تخلّت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ديمقراطية وجمهورية، عن منطق مناطق النفوذ. وبدلًا من ذلك، تبنّت خطابًا قائمًا على “النظام الليبرالي العالمي المفتوح للجميع”، وهو ما كان يعني دعم سيادة الدول الصغيرة، والانخراط في تحالفات متعددة الأطراف.
لكن إدارة ترامب تعود اليوم إلى نفس المبادئ التي اعتبرها العالم في السابق مرفوضة أخلاقيًا وخطيرة سياسيًا.
من الماضي إلى الحاضر: لماذا تفشل هذه الرؤية في عالم اليوم؟
يُجادل كُتّاب الإيكونوميست بأن العودة إلى سياسة مناطق النفوذ لن تجلب الاستقرار في القرن الحادي والعشرين، لأسباب عدة:
العالم الاقتصادي أصبح مترابطًا للغاية: لم تعد الدول تسيطر على سلاسل التوريد أو الموارد الحيوية بشكل منفرد. الفحم والحديد والنفط لم تعد تكفي لتأمين الاكتفاء، بل هناك حاجة لتكنولوجيا عابرة للحدود وسلاسل إنتاج متعددة الجنسيات.
المنافسة في التكنولوجيا شبيهة بسباقات التسلح: من الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة الكمومية، المعارك الكبرى اليوم لا تُحسم بالمدافع، بل بالمختبرات وسرعة الابتكار.
الدول متوسطة الحجم باتت أقوى من أن تُفرض عليها الإملاءات: دول مثل بولندا وكوريا الجنوبية لم تعد تقبل بأن تكون رهينة قرارات القوى الكبرى، وهي تفكر اليوم في امتلاك ترسانات نووية لضمان أمنها.
ترامب ليس روزفلت: افتقار للموازنة بين الواقعية والسيطرة
حتى لو أراد ترامب السير على خطى روزفلت، فإنه يفتقر إلى مهارته. روزفلت كان يعرف كيف يُوازن بين المصالح المتعارضة، ويمنع هيمنة طرف واحد. أما ترامب، فهو يتخبط في تحالفاته، ويخوض حروبًا تجارية عشوائية مع الحلفاء، ويتخذ قرارات متقلبة، كتجميد ثم استئناف تسليح أوكرانيا، دون خطة واضحة.
النتيجة؟ سياسة خارجية تقوم على التهور أكثر من الحنكة، وعلى النزعة القومية أكثر من المصلحة المشتركة.
العودة إلى القرن التاسع عشر ليست إجابة لعالم القرن الحادي والعشرين
بينما يحاول ترامب وصقور “أمريكا أولًا” رسم عالم جديد مقسم إلى مناطق نفوذ بين واشنطن وبكين وموسكو، يغفلون أن العالم اليوم أعقد بكثير من أن يُدار من خلال صفقات جغرافية كبرى. إذ أن الاستقرار الحقيقي لا ينبع من تقسيم العالم، بل من تعاونه.
وربما كانت جائزة نوبل التي سعى إليها روزفلت ذات يوم—وتُغري ترامب اليوم—مجرد ورقة تين تُخفي واقعية باردة. لكن هذه الواقعية لم تعد تصلح لعالم منفتح، متصل، وصعب السيطرة عليه.



