راوي مذكرات غزة يروي رحلته من الحياة إلى الركام والبقاء الصامت
شهادات من قلب الحرب تكشف ألم الفقد، وحنين الوطن، وصوت منفى مجهول

بعد مرور 21 شهرًا من الحرب والنزوح، خرج راوٍ مجهول من صمته ليصبح صوتًا نادرًا من داخل غزة، يكتب عن الحياة المتبقية من بين أنقاض الموت، في مذكرات نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية.
من ملاعب التنس إلى دروب التشريد
في صباح 7 أكتوبر 2023، كان الكاتب المجهول يستعد لمباراة تنس، ملتزمًا بتحسين صحته النفسية والجسدية. لكن بعد ساعات فقط، صار يبحث بين أوراقه عن وثيقة ملكية شقته في غزة، غير مدرك أن حياته اليومية على وشك أن تتلاشى.
تحولت جولات التصعيد التي اعتاد عليها الغزيون إلى كارثة ممتدة. دُمّرت المدينة، وهُجّر سكانها، واليوم، بعد مقتل أكثر من 57 ألف شخص ونزوح 90% من السكان، لا يزال هذا الراوي يوثق الألم.
نكبة تتجدد: مشهد الهجرة الجماعية
كتب في مذكراته يوم 13 أكتوبر، بعد صدور أمر إخلاء غزة:
> “كأنها نكبة 1948 تتكرر… الناس يفرّون بأطفالهم وحقائبهم، بعضهم على الشاحنات والباصات، وآخرون يركضون على الأقدام، يصرخون: اركبوا معنا. مشهد يكسِر القلب.”
ورغم المأساة، حافظ على نبرة إنسانية تصرّ على تقديم الفلسطينيين كأشخاص عاديين، لا ضحايا فقط، يحبّون الحياة، ويقاومون الألم.
رجال يبكون في غزة
أراد أن يبدد الصورة النمطية حول رجال غزة. كتب:
> “يظن البعض أن الرجال هنا لا يشعرون… لكني رأيت رجالًا يبكون وهم ينظرون إلى منازلهم المدمرة. إنهم بشر… يشعرون ويحبّون.”
القطط وكرامة البقاء
وسط الجوع والموت، تحولت رعاية القطط المنزلية إلى رمز للمقاومة. في بيت أحمد – من استضافه في الجنوب – كانت الجدة تصرّ على تعليم الأطفال وتقديم وجبة يومية واحدة، مهما كانت الظروف.
> “كيف لا تُصنّف هذه الجدة ضمن أعظم الشخصيات؟” يتساءل الكاتب.
الخروج من غزة… بلا خروج من الجرح
تمكّن الكاتب وأخته من مغادرة غزة في ظروف غامضة، لكنه توقف عن النشر، خشية تعريض نفسه للخطر. ومع الرحيل، رافقه شعور بالذنب تجاه من تركهم خلفه.
> “أحمد وعائلته لا يزالون هناك. يقولون إنهم بخير، لكني أعلم أنهم ليسوا كذلك.”

المنفى: اقتلاع من الذاكرة
يصف المنفى بأنه انتزاع مؤلم للهوية والذاكرة:
> “ما نحن إلا ذكرياتنا… ضحكنا، بكاؤنا، قبور أحبّائنا… إذا فقدنا الأماكن التي احتضنت هذه اللحظات، فماذا يتبقى منا؟”
حتى نبتة صغيرة أهديت له أثارت فيه نوبة هلع:
> “لم أعد قادرًا على الالتزام حتى بنبتة… كل شيء أصبح هشًا.”
الهروب من الحزن… بالرياضة والكتابة
يروي كيف تعامل بعض اللاجئين مع الصدمة: بعضهم لجأ للعلاقات العشوائية، أو الإدمان، أو العنف. أما هو، فاختار الرياضة، والكتابة في صمت.
> “أركض هربًا من الحزن. تقول أختي: هذا ليس جديدًا… بل هو التاريخ يعيد نفسه.”
هل سنُنسى؟
يبدي خوفه من أن يندثر الفلسطينيون في غزة من الذاكرة العالمية، كما حدث مع الشعوب الأصلية في أماكن أخرى:
> “هل سيقول الناس بعد 100 عام: كان هناك شعب يُدعى الغزّيون… ثم اختفوا؟”

بعد 100عام”
ما الذي تبقى؟
حين سُئل إن كان يحمل كراهية تجاه أحد، قال:
> “لا، لا أكره أحدًا… ليس في طبيعتي الكراهية.”
وعن القطط، أجاب مبتسمًا:
> “أصبحت بدينة!”
لكنه اختتم بجملة تمزّق القلب:
> “أشتاق إلى النوم بعمق.”
من يروي الحكاية؟
صدر الكتاب مؤخرًاعن دار Guardian Faber، حاملاً مذكرات كاتب غزة المجهول. كتاب بلا اسم مؤلف، لكنه يحمل وجوه الملايين من الغائبين… ومن الناجين.