مرأة ومنوعات

حملة RFK Jr لحظر الأصباغ الصناعية تثير جدلاً واسعاً في أمريكا

جدل الألوان الصناعية في الطعام الأمريكي: بين الصحة والثقافة الغذائية

في تحول مثير يشير إلى بداية نهاية عهد الألوان الزاهية في الطعام الأمريكي، بدأت كبرى شركات الصناعات الغذائية في الولايات المتحدة الالتزام بالتخلي عن الأصباغ الصناعية. يأتي ذلك في إطار حملة يقودها وزير الصحة الأمريكي روبرت إف كينيدي الابن (RFK Jr) ضمن مبادرة “لنجعل أمريكا أكثر صحة” (MAHA)، والتي تهدف إلى تحسين صحة الأطفال من خلال تقليص المواد المضافة في الأغذية المصنعة، وعلى رأسها الأصباغ الصناعية.

وفي وقت تعاني فيه منظومة الصحة العامة من تقليصات ضخمة في عهد إدارة ترامب، يبرز هذا التوجه كقضية رئيسية في الجدل الدائر حول صحة الأطفال والأولويات الوطنية في مجال الأغذية.

وداعاً للألوان الصناعية في الآيس كريم بحلول 2028

شهدت حملة MAHA لحظة احتفالية هذا الشهر بعدما تعهدت صناعة الآيس كريم الأمريكية طوعاً بالتخلص التام من الأصباغ الصناعية بحلول عام 2028. هذا التعهد جاء بعد ضغوط مارسها RFK Jr في أبريل الماضي، حيث أقنع العديد من عمالقة الصناعات الغذائية مثل “نستله” و”كرافت هاينز” و”بيبسيكو” باتباع النهج ذاته. لكن قرار الآيس كريم كان له وقع خاص لدى RFK Jr الذي صرّح بأن هذه الحلوى هي المفضلة لديه.

القرار يعني نهاية ألوان مثل الوردي الساطع لمنتج الفراولة (المصنوع من الصبغة الحمراء رقم 40)، والأخضر الزمردي لنكهة النعناع بالشوكولاتة، و”ألوان سوبرمان” المصنوعة من مزيج معقد من الأصباغ الصناعية.

الربط بين الأصباغ الصناعية وصحة الأطفال

يرى كينيدي أن واحدة من أهم طرق تحسين صحة الأطفال هي تقليل التعرض للمواد المضافة في الأطعمة، وعلى رأسها الأصباغ التي وصفها بأنها “الأكثر فجاجة”. واستند في ذلك إلى دراسة نُشرت عام 2020 أوضحت أن 19% من الأغذية الأمريكية تحتوي على أصباغ صناعية. ويُعتقد أن هذه المواد مرتبطة بمشاكل صحية تتراوح بين النشاط الزائد والسرطان وربما حتى التوحد.

ومع أن الدراسات لم تثبت علاقة سببية مباشرة، إلا أن خبراء كالبروفيسورة جيمي ألان من جامعة ولاية ميشيغان يشيرون إلى أن بعض الأطفال يُظهرون أعراضاً سلوكية غير معتادة بعد تناول هذه الأصباغ، ما يستدعي الحذر.

منظومات صحية مشلولة رغم جهود “الصحة الغذائية”

المفارقة أن هذه التطورات تأتي بالتزامن مع تقليصات ضخمة طالت البنية التحتية الصحية في أمريكا. فقبل أيام فقط من إعلان تعهد الآيس كريم، أقر الكونغرس قانون إنفاق يتضمن تخفيضات حادة في برنامج “ميديكيد” ومساعدات “سناب” الغذائية، إضافة إلى طرد الآلاف من موظفي وزارة الصحة.

يطرح هذا الواقع تساؤلاً مشروعاً: هل يعد التخلص من صبغات الطعام أولوية فعلية في ظل هذا التراجع العام في برامج الرعاية؟

التحول إلى الأصباغ الطبيعية: عملية معقدة ومكلفة

تحويل المنتجات من الأصباغ الصناعية إلى الطبيعية ليس عملية سهلة، بحسب خبراء مثل ترافيس زيسو من شركة “سكيل فود لابز”. فالأصباغ الطبيعية، المشتقة من مصادر نباتية مثل الكركم والطحالب والشمندر، غالباً ما تكون أقل استقراراً وأكثر حساسية للحرارة والضوء، ما يتطلب اختبارات مكثفة وعبوات خاصة للحفاظ على جودتها.

كما أن سلاسل الإمداد تعاني من نقص كبير في الكميات المتاحة. وقد ارتفع الطلب على هذه الأصباغ بنسبة تصل إلى 50%، في ظل استعدادات الشركات لمواعيد الحظر الرسمية، أبرزها حظر “الصبغة الحمراء رقم 3” المقرر دخوله حيز التنفيذ عام 2027.

هل سيتقبل الأمريكيون الطعام الباهت اللون؟

رغم تقبل المستهلكين في أوروبا وكندا واليابان للألوان الطبيعية، يبقى الأمريكيون أكثر تعلقاً بالألوان الزاهية. فمحاولة شركة “جنرال ميلز” عام 2016 لتقديم نسخة طبيعية من حبوب الإفطار “تريكس” باءت بالفشل، حيث اشتكى المستهلكون من تغيّر الطعم والشكل. لكن تجربة “كرافت” مع المكرونة بالجبن كانت مختلفة، إذ طرحت النسخة الطبيعية بهدوء دون إعلان مسبق ولم يلاحظ الكثير الفرق.

السبب في ذلك، وفقاً للمؤرخة Ai Hisano، يعود إلى تراث طويل من الربط بين لون الطعام وطعمه. فمنذ العصور الوسطى، استخدم المزارعون صبغات طبيعية لتحسين مظهر الزبدة، وتبعتهم الصناعات الغذائية لاحقاً باستخدام الأصباغ البترولية الأرخص ثمناً.

مصنعو الحلوى في موقف الدفاع

أكبر مقاومة لحملة Kennedy جاءت من شركات الحلوى، التي تعتبر اللون جزءاً من الهوية التجارية. فجمعية مصنّعي الحلوى الأمريكية أعلنت أنها لن تتخلى عن الأصباغ الصناعية إلا في حال فرضتها التشريعات. ومن بين كبار المنتجين، تظل “مارس” (الشركة المنتجة لـ M&Ms وSkittles وStarburst) الوحيدة التي لم تتعهد رسمياً بوقف استخدام الأصباغ، باستثناء الصبغة المحظورة مسبقاً.

لكن مدير هيئة الغذاء والدواء يتوقع أن “مارس” ستنضم إلى الركب قريباً، خاصة في ظل تسارع الأبحاث واعتماد الهيئة لأربعة ألوان طبيعية جديدة منذ مايو الماضي.

هل تعود الأطعمة الملوّنة إلى وهجها… لكن بألوان طبيعية؟

يؤكد الخبراء أن المستقبل لا يعني بالضرورة طعاماً باهت اللون. بل ستكون هناك سباقات بحثية لإيجاد ألوان طبيعية تتمتع بنفس حيوية الألوان الصناعية. ويعتقد زيسو أن التنسيق الجماعي بين الشركات سيجعل الألوان الصناعية تبدو، في غضون سنوات، كرمز قديم مثل الدهون المتحولة التي تم حظرها سابقاً.

قد تكون هذه الحملة بداية لتغيير ثقافة غذائية كاملة. لكن في ظل تفاقم مشكلات الفقر وسوء التغذية وغياب الرعاية الصحية، يبقى السؤال مطروحاً: هل حظر الأصباغ هو المعركة الأكثر إلحاحاً لصحة أطفال أمريكا؟

اقرا ايضا

أطعمة متواضعة في مطبخك قد تكون أفضل من السوبرفود الغالي 

نيرة احمد

نيرة أحمد صحفية مصرية تحت التدريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى