حرب الأيام الـ12: الضربة الإسرائيلية التي أعادت البرنامج النووي الإيراني سنوات إلى الوراء
حرب إسرائيل وإيران القصيرة تُربك التوازن النووي وتعيد طهران سنوات للوراء

شهدت منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر وأسرع جولات التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، في حرب استمرت 12 يومًا فقط، لكنها أحدثت تغييرات استراتيجية عميقة. فبحسب تقييمات إسرائيلية وأمريكية متطابقة، تسببت هذه الحرب في تدمير البنية التحتية الأساسية للبرنامج النووي الإيراني، وأعادت طهران سنوات إلى الوراء في مسارها نحو إنتاج قنبلة نووية. مصادر أمنية إسرائيلية صرحت أن إيران لم تعد “دولة على عتبة النووي”، وأنها بحاجة إلى عامين على الأقل لإعادة بناء القدرات التي خسرتها، هذا إن استطاعت أن تفعل ذلك في الخفاء دون أن تُرصد من جديد.
الهجوم، الذي نُفذ بتنسيق غير مسبوق بين أجهزة الاستخبارات والطيران الحربي الإسرائيلي والأمريكي، لم يستهدف فقط منشآت تخصيب اليورانيوم، بل ذهب أبعد من ذلك، فاستهدف العلماء، والمختبرات، والمنشآت الداعمة، وحتى الصواريخ الباليستية. هذه الحرب لم تكن مجرد غارات جوية، بل كانت حربًا استخباراتية ومعرفية مدعومة بخوارزميات عسكرية، تعكس تطورًا غير مسبوق في أدوات الحرب المعاصرة.
وبينما لا تزال طهران تلوّح بالرد، يرى المراقبون أن كلفة استعادة البرنامج النووي ستكون مضاعفة، سواء من الناحية التقنية أو البشرية، بعد فقدان النخبة العلمية التي قادت المشروع لعقود.
ضربة موجعة: كيف أعادت الحرب النووية الإيرانية إلى نقطة الصفر؟
بحسب مصادر استخباراتية إسرائيلية، فإن الحملة الجوية أدت إلى تدمير منشآت رئيسية مثل “نطنز” و”فوردو”، وهما مركزا تخصيب اليورانيوم الأهم داخل إيران. كما استُهدفت منشآت تحويل اليورانيوم في أصفهان، ومواقع تخزين مواد مخصبة. هذا الاستهداف المنسق لم يترك للبرنامج أي قدرة تشغيلية فورية، وهو ما تؤكده تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي رُفعت سريًّا إلى بعض الأطراف الدولية.
تعتبر منشأة فوردو، المدفونة تحت الجبال، من أبرز رموز “الردع النووي” الإيراني، وقد كانت محصنة ضد معظم أنواع الضربات. لكن استخدام القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات – التي أطلقتها قاذفات B-2 – غيّر المعادلة، وأدى إلى تعطيل الموقع بالكامل.
وفي ظل افتقار إيران لمنشآت بديلة بنفس المستوى من الحماية والجاهزية، فإن عملية إعادة بناء هذه القدرات قد تستغرق سنوات، هذا إن توفرت الإرادة السياسية، وهو أمر غير مؤكد بعد الضربة.
استهداف العقول: اغتيال النخبة العلمية يترك فجوة يصعب سدّها
من بين أكثر عناصر الحملة إثارة للجدل، كان الاستهداف المنهجي للعلماء والمهندسين النوويين الإيرانيين. وبحسب تقارير إسرائيلية، فإن الضربات الأولى للحرب نجحت في تصفية الصفين الأول والثاني من علماء الفيزياء النووية الإيرانيين، بالإضافة إلى معظم الصف الثالث. هذا الاستنزاف البشري نادر في أي صراع نووي من هذا النوع، وقد يؤدي إلى عزوف الأجيال الجديدة من العلماء عن الانخراط في البرنامج خوفًا من المصير ذاته.
إسرائيل تعتبر هذا التكتيك من أكثر عناصر الحملة فعالية، لأنه يعطّل ليس فقط الحاضر، بل المستقبل العلمي الإيراني. فقدرة أي برنامج نووي لا تعتمد فقط على المعدات والمنشآت، بل على العقول التي تُديره، والخبرة المتراكمة التي يصعب استيرادها أو تعويضها.
البرنامج النووي في الرماد: منشآت أصبحت ركامًا
لم تقتصر الضربات على المنشآت النووية المعروفة فحسب، بل استهدفت أيضًا البنية التحتية الداعمة مثل المختبرات، والأرشيفات العلمية، ومراكز الاختبار، وحتى المستودعات التي كانت تحوي مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب. إسرائيل تزعم أنها دمرت موقعًا سريًا كانت إيران تخزن فيه نحو 400 كغم من المواد القابلة للاستخدام في تصنيع قنبلة.
وبحسب المصدر الإسرائيلي، فإن بعض هذه المواقع كانت غير معروفة حتى لبعض الأطراف الدولية، ما يوضح مدى تعقيد شبكة الاستخبارات التي شاركت في تحديد الأهداف. حجم الدمار في هذه المنشآت يجعل من الصعب على إيران أن تعيد تشغيل البرنامج بسرعة أو من دون أن تُكتشف.
أسلحة الدمار الإلكتروني: توقف مشروع القنبلة الكهرومغناطيسية
إحدى المفاجآت التي كشفت عنها المصادر الإسرائيلية هي أن طهران كانت تعمل على تطوير قنبلة كهرومغناطيسية (EMP)، قادرة على شل البنية التحتية الإلكترونية لإسرائيل. هذا المشروع كان يدار بشكل سري وبمباركة من الحرس الثوري، الذي اعتبره لا يتعارض مع فتوى المرشد الأعلى بتحريم السلاح النووي.
لكن الضربات الجوية عطلت هذا المشروع بالكامل، لا سيما بعد مقتل قادته وتدمير المختبرات المسؤولة عنه. هذه القنبلة كانت تمثل خيارًا غير تقليدي لإيران، يعتمد على تأثيرات النبض الكهرومغناطيسي وليس الانفجار النووي التقليدي. تدمير هذا المشروع يوجّه ضربة إضافية للطموحات الإيرانية في تطوير “أسلحة ردع مبتكرة”.
السيادة الجوية الكاملة: التفوق الإسرائيلي حسم المعركة
في غضون اليومين الأولين من الحرب، نجحت القوات الجوية الإسرائيلية في فرض سيطرة جوية كاملة على الأجواء الإيرانية، ما سمح بتنفيذ مئات الغارات بدقة شبه كاملة. هذا التفوق جاء نتيجة لاستخدام تقنيات إلكترونية متقدمة، وطائرات مسيّرة، وقدرات تشويش سمحت بتعطيل أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية.
التقارير تشير إلى أن أكثر من نصف الصواريخ الباليستية الإيرانية – البالغ عددها نحو 3,000 – تم تدميرها، إلى جانب 80% من قواعد إطلاقها. هذه الضربة الوقائية منعت إيران من تنفيذ هجمات انتقامية واسعة، وربما أنقذت آلاف الأرواح في إسرائيل ودول الجوار.
حرب الخوارزميات: مزيج من الذكاء الاصطناعي والتجسس
وصفت مصادر إسرائيلية وأمريكية الحملة بأنها لم تكن مجرد حرب جوية، بل “حرب خوارزميات”، حيث لعب الذكاء الاصطناعي دورًا مركزيًا في تحليل البيانات، وتحديد الأولويات، وتنفيذ الاستهداف. هذا التنسيق بين أجهزة الاستخبارات والطيران والمعلومات السيبرانية شكّل نموذجًا متقدمًا للحرب الحديثة، يُحتمل أن يُدرّس مستقبلاً في الكليات العسكرية.
الأهداف لم تكن تُحدد بناءً على صور الأقمار الاصطناعية فقط، بل عبر تحليلات سلوكية وتنبؤات ذكية جمعت بين المعطيات البشرية والتكنولوجية. ما حدث هو دمج غير مسبوق بين الجاسوسية التقليدية والعلم الحديث.
اقرأ أيضاً فرنسا تلغي مذكرة توقيف بشار الأسد: انتصار الحصانة أم نكسة للعدالة؟
مأزق دبلوماسي: هل من اتفاق نووي جديد في الأفق؟
رغم الانتصار العسكري، إلا أن واشنطن تواجه الآن معضلة سياسية: هل تسعى إلى اتفاق نووي جديد أم تكتفي بالردع؟ حتى اللحظة، ترفض طهران الشروط الأمريكية، وعلى رأسها حظر تخصيب اليورانيوم نهائيًا. ما يزيد من تعقيد الأمر هو أن طهران ترى في ما حدث مسًا بسيادتها، وقد تمتنع عن التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية مستقبلًا.
من جانب آخر، تأمل الولايات المتحدة وإسرائيل أن تظل إيران ملتزمة بمعاهدة حظر الانتشار النووي، مما يسمح بمواصلة التفتيش الدولي. لكن الواقع على الأرض يشير إلى أن معظم تلك المنشآت باتت حطامًا، وأي مفاوضات جديدة قد تبدأ من نقطة صفر جديدة تمامًا.