بريطانيا بعد بريكست.. هل وجدت اخيرا دورها في العالم ؟

منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي عام 2016، ظلت بريطانيا تائهة بين أدوارها الدبلوماسية القديمة وطموحاتها الجديدة في عالم يشهد تحولات متسارعة. ومع انكفاء الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب عن كثير من التزاماتها التاريخية على المسرح الدولي، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل حان الوقت لكي تجد لندن لنفسها مكاناً قيادياً جديداً في النظام العالمي؟
على مدى عقود، كانت بريطانيا تُتهم بأنها “فقدت إمبراطورية ولم تجد بعد دوراً”، على حد تعبير وزير الخارجية الأمريكي الأسبق دين أتشيسون بعد الحرب العالمية الثانية. لكن التطورات الأخيرة في أوروبا، خصوصاً مع الحرب في أوكرانيا، أعادت إحياء النقاش حول ما إذا كانت لندن قد بدأت في صياغة ملامح دور جديد أكثر وضوحاً. اليوم، تظهر ملامح ترتيبات أوروبية جديدة، يشارك فيها البريطانيون جنباً إلى جنب مع فرنسا وألمانيا، بما يشير إلى أن خروجها من الاتحاد الأوروبي لم يقطع بالضرورة صلتها بالقرار الأوروبي. وبين ضغوط العلاقة مع واشنطن، وتوازناتها مع بروكسل وبكين، قد تكون بريطانيا أمام لحظة فارقة: إما أن تتحول إلى قوة متوسطة تدور في فلك الآخرين، أو تستعيد زمام المبادرة كفاعل مستقل يسعى لترميم فراغات الهيمنة الأمريكية المتراجعة.
أوروبا الثلاثية: صعود “اللجنة التوجيهية” الجديدة
شهدت الأسابيع الأخيرة من الدبلوماسية حول أوكرانيا بروز ما يمكن تسميته بـ”اللجنة التوجيهية الأوروبية” أو “E3″، المكونة من بريطانيا وألمانيا وفرنسا. أحياناً تنضم إليها إيطاليا أو إسبانيا أو بولندا، وفقاً للملف المطروح. هذا التشكيل غير الرسمي يعكس تحوّلاً جوهرياً: لندن باتت جزءاً من هندسة الأمن الأوروبي الجديدة رغم خروجها من الاتحاد. المفارقة أن مشاركتها في اجتماعات أوروبية رفيعة كان يُنظر إليه قبل أعوام فقط على أنه أمر غير واقعي.
العلاقة الخاصة مع واشنطن: من التبعية إلى التحدي
منذ الحرب العالمية الثانية، شكّلت العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة حجر الزاوية في السياسة الخارجية البريطانية. إلا أن هذه العلاقة تمر الآن بأحد أكثر منعطفاتها صعوبة منذ أن اضطر ونستون تشرشل لإقناع فرانكلين روزفلت بالتدخل في الحرب. رئيس الوزراء كير ستارمر يبدو مضطراً إلى مجاراة مزاج ترامب الإمبراطوري عبر خطاب مفرط في التودد، إدراكاً منه أن استمالة البيت الأبيض لم تعد ممكنة دون إظهار الولاء شبه المطلق.
شبح بريكست ونفوذ فاراج
أي تقارب رسمي مع الاتحاد الأوروبي يظل محاطاً بالمخاطر السياسية. فترامب فرض رسوماً جمركية أقل على بريطانيا مقارنة بالاتحاد، في إشارة واضحة إلى رغبته في إبقائها خارج المنظومة الأوروبية. ومع صعود حزب “الإصلاح” بزعامة نايجل فاراج، تخشى حكومة حزب العمال من إعادة فتح جراح بريكست. رغم أن استطلاعات الرأي تظهر أن غالبية البريطانيين باتوا يميلون للندم على قرار الخروج، إلا أن عودة النقاش حول الانضمام تبدو مستبعدة في المدى القريب.
الصين في المعادلة: ورقة محفوفة بالمخاطر
انفتاح لندن على علاقات أوثق مع بكين قد يشعل خلافاً مع واشنطن في أي لحظة، خاصة إذا تدهورت علاقة ترامب بالصين. حتى الآن، استفادت بريطانيا من مساحة مناورة بين القوتين العظميين، لكن هذه الاستراتيجية تظل محفوفة بالمخاطر. أي تصعيد أمريكي–صيني قد يضع لندن أمام اختبار صعب لاختيار موقعها.
البلقان: عودة إلى مسرح هولبروك
في منطقة البلقان، حيث حقق المبعوث الأمريكي ريتشارد هولبروك أعظم نجاحاته، انسحبت الولايات المتحدة إلى الصفوف الخلفية. هنا تقدمت بريطانيا لتملأ بعض الفراغ، ضاغطة على السياسيين الصرب والكروات لتهدئة التوترات. ثلاثون عاماً بعد نهاية حرب البوسنة، يبدو أن لندن تحاول لعب دور الوسيط القوي الذي غاب عن المشهد مع تراجع واشنطن.
حدود القوة البريطانية: بين التطلعات والموارد
رغم التحركات النشطة، تظل بريطانيا مجرد قوة متوسطة بين عمالقة مثل الصين وأمريكا. في الشرق الأوسط على سبيل المثال، تقتصر أدوارها على المتابعة أكثر من المبادرة. الأهم أن نقص التمويل يجعل وزارة الخارجية البريطانية مقيدة، مع تركيز الحكومة على دعم “شركة بريطانيا المحدودة” بدلاً من دبلوماسية نشطة.
بريطانيا والراية المتعددة الأطراف
رغم تقليص المساعدات، تحاول لندن رفع “الراية الممزقة” للتعاون متعدد الأطراف. الولايات المتحدة انسحبت من ملفات مثل الصحة العالمية والمناخ والهجرة، وهو ما يمنح بريطانيا فرصة لقيادة مبادرات في هذه المجالات. التحضير لقمة حول “التمويل غير المشروع” مؤشر على سعيها لإبراز دورها في ملفات ذات طابع عالمي.
نحو تحالفات جديدة في آسيا والجنوب العالمي
مع تراجع أطر مثل “الرباعية” (Quad) التي تضم أمريكا والهند واليابان وأستراليا، تفتح الساحة أمام بريطانيا لنسج علاقات أوثق مع قوى آسيوية وجنوب عالمية صاعدة. هذه الخطوة قد تعزز موقعها كقوة توازن تبحث عن شركاء خارج المدار التقليدي للقارة الأوروبية.
بين التراجع والجرأة: أي طريق تختار لندن؟
لطالما نُظر إلى بريطانيا باعتبارها قوة تقبل “التراجع المُدار”. لكن الأزمة الاقتصادية الداخلية وتحديات ما بعد بريكست قد تجعل الجرأة خيارها الوحيد. إذا أرادت لندن أن تثبت أنها ما زالت لاعباً مركزياً في السياسة الدولية، فإن اللحظة الحالية قد تكون فرصتها الأخيرة.