السعودية الغنية بالنفط تسعى لتصبح مُصدّرًا للذكاء الاصطناعي — تحليل من صحيفة نيويورك تايمز

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المملكة العربية السعودية، التي اشتهرت لعقود بصادراتها النفطية، تسعى اليوم لتصبح قوة عالمية في تصدير الذكاء الاصطناعي. تعتمد هذه الرؤية الطموحة على تحويل الثروة النفطية إلى نفوذ تقني عالمي من خلال بناء مراكز بيانات ضخمة تمتد على ساحليها الشرقي والغربي. ويهدف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى جعل المملكة مركزًا رئيسيًا لتوفير القدرة الحاسوبية التي تعتمد عليها تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة. وتستغل السعودية عناصر تفوقها الطبيعي: الطاقة الرخيصة، الأراضي الشاسعة، ورؤوس الأموال الضخمة، لبناء منظومة رقمية تنافس الولايات المتحدة والصين. من خلال شركة “هيومين” (Humain) التي أنشأها الأمير حديثًا، تخطط المملكة لأن تستحوذ على نحو 6% من قدرة الذكاء الاصطناعي العالمية. وتشير نيويورك تايمز إلى أن هذا المشروع لا يهدف فقط إلى تنويع الاقتصاد، بل إلى جعل السعودية لاعبًا مؤثرًا في توازن القوى التكنولوجي بين واشنطن وبكين.
من تصدير النفط إلى تصدير الحوسبة
بحسب نيويورك تايمز، تعمل السعودية على تحويل إرثها كمصدر للطاقة إلى مصدر للحوسبة الرقمية. فالمملكة تبني مجمعات بيانات ضخمة على سواحل البحر الأحمر والخليج العربي بتكلفة مليارات الدولارات، لتوفير قدرة حوسبية لمطوري الذكاء الاصطناعي في آسيا وأوروبا وإفريقيا. تهدف هذه الخطوة إلى جعل السعودية لاعبًا رئيسيًا في سوق البنية التحتية الرقمية العالمية. بفضل وفرة الطاقة الرخيصة وتوافر الأراضي، تُعد السعودية من الدول القليلة القادرة على تشغيل مراكز بيانات بهذا الحجم وبتكاليف أقل بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بالولايات المتحدة. هذه المراكز ستكون القلب النابض لخطة المملكة لتصدير “القوة الحاسوبية” كبديل استراتيجي لصادرات النفط التقليدية.

شركة “هيومين” ودور ولي العهد في قيادة الثورة التقنية
تشير الصحيفة إلى أن الأمير محمد بن سلمان أنشأ في مايو شركة “هيومين” لتكون بمثابة “أرامكو الذكاء الاصطناعي”. تمتلك الشركة دعمًا مباشرًا من صندوق الاستثمارات العامة الذي تبلغ قيمته نحو تريليون دولار، وتعمل على بناء مراكز بيانات واستثمار الشركات الناشئة وتطوير خدمات رقمية متقدمة. عيّن الأمير نفسه رئيسًا لمجلس إدارتها، بينما تولى طارق أمين — أحد قيادات “أرامكو” — منصب الرئيس التنفيذي. عقدت الشركة اتفاقات مع شركات مثل Nvidia وAMD وQualcomm، كما أطلقت مساعدًا ذكاءً اصطناعيًا عربيًا “مفيدًا وغير حساس سياسيًا”، إلى جانب أدوات لتلخيص الاجتماعات وتطوير أجهزة حوسبة ذكية. تمثل هذه المشاريع بداية بناء منظومة وطنية تكنولوجية متكاملة تهدف إلى جعل السعودية ضمن المراكز الأربع الأولى عالميًا في الذكاء الاصطناعي.

بين واشنطن وبكين: التوازن الجيوسياسي الدقيق
أكدت نيويورك تايمز أن طموحات السعودية في الذكاء الاصطناعي تقع في قلب صراع التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والصين. فمن جهة، تسعى الرياض لتأمين تراخيص شراء رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية من Nvidia وAMD، وهو أمر يتطلب موافقة واشنطن. ومن جهة أخرى، تواصل التعاون مع الشركات الصينية مثل DeepSeek وZhipuAI، التي تستخدم مراكز بيانات تابعة لشركة أرامكو. هذا الموقف المتوازن يهدف إلى تجنب الانحياز لأي محور عالمي، مع ضمان الاستفادة من الطرفين. لكن واشنطن تبدي قلقًا من العلاقات التقنية بين الرياض وبكين، وتخشى من تسرب تكنولوجيا الرقائق المتقدمة. رغم ذلك، تشير الصحيفة إلى أن السعودية ترى في نفسها ساحة تنافس مفتوحة يمكن أن تستضيف البنية التحتية الأمريكية والصينية جنبًا إلى جنب.

التحديات التقنية والقيود السياسية
ترى نيويورك تايمز أن التحدي الأكبر أمام المشروع السعودي يتمثل في نقص الكفاءات المحلية وخطورة الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة. فالسعودية لا تمتلك بعد قاعدة خبراء واسعة في الذكاء الاصطناعي، كما أن سوق مراكز البيانات العالمي يواجه خطر فائض في الطاقة الحاسوبية. بالإضافة إلى ذلك، تثير الاعتبارات الأمنية في الدولة تساؤلات لدى بعض المستثمرين الغربيين حول حماية البيانات. ولتجاوز هذه العقبة، تدرس المملكة فكرة “المناطق السيادية للبيانات” أو ما يعرف بـ data embassies، وهي مناطق تعمل وفق قوانين الشركات الأجنبية بدلاً من القوانين المحلية. رغم هذه المخاوف، تؤكد المملكة أن موقعها الجغرافي بين ثلاث قارات يجعلها مركزًا مثاليًا لتوزيع خدمات الذكاء الاصطناعي عالميًا.

مستقبل السعودية كقوة تكنولوجية عالمية
تخلص صحيفة نيويورك تايمز إلى أن طموحات ولي العهد السعودي في جعل بلاده “قوة ذكاء اصطناعي” لا يمكن التقليل من شأنها. فالمملكة لا تراهن فقط على المال، بل على إعادة تشكيل اقتصادها بالكامل بعيدًا عن النفط. ومع توسع شبكة الكهرباء وبناء مجمعات بيانات بقدرة 6.6 غيغاواط بحلول عام 2034 — أي ما يعادل تشغيل أكثر من ستة مفاعلات نووية — تسعى السعودية لتأمين موقعها كمحور عالمي للحوسبة. يرى الخبراء أن الرياض قد لا تحقق كل أهدافها، لكنها ستنجح في خلق توازن جديد بين القوى التقنية الكبرى. وهكذا، تتحول رؤية المملكة من تصدير النفط إلى تصدير الذكاء، في مشروع يمثل بداية عصر سعودي رقمي جديد



