الصين توسّع نفوذها عالميًا عبر مبادرة الحزام والطريق في الجنوب العالمي

في عالمٍ تتزايد فيه الفوضى السياسية والتوترات الاقتصادية بين القوى الكبرى، يبدو أن الصين قررت تحويل الاضطراب العالمي إلى فرصة جديدة لتوسيع نفوذها. الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي حذّر من أن السنوات الخمس المقبلة ستكون “الأصعب على الصين” بسبب “العوامل غير المتوقعة”، يرى أن الرد على السياسات الحمائية الأميركية يكمن في مشروعه الأضخم: مبادرة الحزام والطريق. هذه المبادرة التي أُطلقت عام 2013 لبناء شبكات من الموانئ والطرق ومحطات الطاقة في الدول النامية، لم تعد مجرد مشروع اقتصادي، بل باتت أداة لإعادة تشكيل النظام العالمي. وبعد فترة من التراجع خلال الجائحة، استعادت الصين زخمها بقوة، لتجعل من الجنوب العالمي محور استراتيجيتها الكبرى في مواجهة الغرب وتثبيت موقعها كقوة عظمى صاعدة.
عودة الحزام والطريق بقوة بعد التباطؤ
منذ إطلاقها قبل أكثر من عقد، سعت مبادرة الحزام والطريق إلى ربط الصين بأكثر من 130 دولة عبر مشروعات ضخمة للبنية التحتية، تمثل جسورًا للتجارة والنفوذ في آنٍ واحد. وبعد التباطؤ الذي أصابها خلال جائحة كوفيد-19، عادت الاستثمارات الصينية لتسجل انتعاشًا تاريخيًا. فقد بلغت قيمة العقود والمشروعات في عام 2023 نحو 92.4 مليار دولار، وقفزت إلى 122 مليارًا في 2024، بينما وصل إجمالي النصف الأول من عام 2025 وحده إلى 123 مليار دولار — وهو رقم قياسي في تاريخ البرنامج. هذا الارتفاع السريع يعكس عزم بكين على تحويل المبادرة إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي العالمي، وأداة لتعزيز مكانتها في ظل تراجع ثقة الدول النامية في النظام المالي الغربي.
الجنوب العالمي.. البديل التجاري للسوق الأميركية
أدركت الصين أن الاعتماد على السوق الأميركية لم يعد مستدامًا بعد الحرب التجارية وفرض الرسوم الجمركية التي بدأت منذ عهد ترامب. فبينما كانت الولايات المتحدة تستحوذ على 20٪ من الصادرات الصينية عام 2018، انخفضت النسبة إلى أقل من 12٪ في 2025. في المقابل، وجدت بكين في الجنوب العالمي بديلًا استراتيجيًا، إذ ارتفعت صادراتها إلى دول آسيان وأمريكا اللاتينية بنسبة 15٪، وقفزت نحو إفريقيا بنسبة 57٪، لتصل حصة هذه الأسواق مجتمعة إلى 44٪ من إجمالي الصادرات. هذا التحول لا يمثل مجرد تبديل للشركاء التجاريين، بل يعكس رؤية أوسع تسعى من خلالها الصين إلى بناء منظومة اقتصادية عالمية موازية للغرب، قوامها التعاون، والتمويل الصيني، والشراكات طويلة الأمد.
من الفحم إلى الطاقة الخضراء.. التحول النوعي للمبادرة
في عام 2021، أعلن الرئيس شي أن المبادرة ستتجه نحو ما وصفه بـ”المشروعات الصغيرة والجميلة”، مع التركيز على الطاقة النظيفة والتكنولوجيا والرعاية الصحية. لكن الصين لم تتخلَّ عن مشروعاتها العملاقة، بل أعادت توجيهها لتوازن بين البنية التحتية التقليدية والاستثمارات المستدامة. ففي نيجيريا، أبرمت صفقة بقيمة 20 مليار دولار لبناء منشآت نفط وغاز، في حين بلغت استثماراتها في الطاقة الشمسية والرياح وإدارة النفايات 11.8 مليار دولار في عام 2024، وهو أعلى رقم منذ إطلاق المبادرة. بهذا المزج بين الضخامة والخُضرة، تسعى الصين لتأمين مواردها التقليدية مع تقديم نفسها كقوة مسؤولة في مجال التنمية البيئية، بما يرسخ نفوذها السياسي عبر أدوات اقتصادية صديقة للبيئة.
نفوذ سياسي يختبئ خلف الاقتصاد
لم تعد مبادرة الحزام والطريق مشروعًا اقتصاديًا بحتًا، بل تحولت إلى منصة نفوذ جيوسياسي تمتد إلى أكثر من 150 دولة. إذ تجاوزت الاستثمارات الإجمالية منذ عام 2013 نحو 1.3 تريليون دولار، لتمنح الصين ثقلاً دبلوماسيًا غير مسبوق. وأكثر من 70 دولة باتت تتبنى الموقف الصيني بشأن “وحدة الصين مع تايوان”، في إشارة إلى عمق التأثير السياسي الذي تحقق تحت مظلة التعاون الاقتصادي. ويرى محللون أن بكين تستخدم المبادرة لبناء شبكة من الشركاء تعتمد على التمويل الصيني، ما يتيح لها التأثير في قرارات السياسة الخارجية لتلك الدول. وهكذا، تمزج الصين بين البراغماتية الاقتصادية والدبلوماسية الناعمة لتحقيق نفوذ متصاعد دون الحاجة إلى تحالفات عسكرية تقليدية.
الديون والانتقادات.. الوجه المظلم للطريق
رغم الزخم الكبير، تواجه الصين انتقادات متصاعدة تتعلق بعبء الديون على الدول الشريكة. تقرير معهد لوي الأسترالي أشار إلى أن بكين تحولت من “مُقرضٍ استراتيجي” إلى “عبءٍ مالي صافٍ” يضغط على ميزانيات الدول النامية. كما أبدت حكومات في إفريقيا وآسيا استياءها من اتساع العجز التجاري مع الصين واحتكار شركاتها للمناقصات الكبرى. وبالرغم من أن بكين بدأت تقديم مبادرات لإعادة هيكلة الديون ومنح تسهيلات تمويلية جديدة، إلا أن هذه الخطوات لم تمحُ تمامًا الصورة السلبية. ومع ذلك، تبقى المبادرة جذابة لعديد من الدول التي لا تملك بدائل غربية تمكّنها من تحقيق التنمية بالسرعة التي توفرها الصين.
الصين تبني نظامًا عالميًا جديدًا.. حجرًا بعد حجر
بالنسبة لبكين، فإن مبادرة الحزام والطريق لم تعد مجرد أداة اقتصادية، بل استراتيجية كبرى لإعادة تشكيل النظام العالمي وفق مصالحها. فمجلة الحزب الشيوعي الصيني وصفتها مؤخرًا بأنها “نموذج جديد للحكم العالمي” يقوم على التنمية والتكامل بدلًا من الهيمنة. وبينما تنشغل واشنطن بصراعاتها الداخلية، تمضي الصين في مدّ شبكات نفوذها في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بثبات. في عالم يشهد صراعًا على قيادة المستقبل، يبدو أن بكين لا تراهن فقط على المال أو التجارة، بل على الزمن نفسه، إذ تبني مشروعها الطويل الأمد ببطء وهدوء — طريقًا من الاستثمارات والاتفاقات يمهّد لزعامة عالمية تتشكل من الجنوب نحو الشمال.



