الجارديان: جزيرة صينية صغيرة تتحول إلى عملاق كيميائي عالمي — قصة تفوق صناعي لا يمكن تجاهله
تشانغشينغ: من قرية صيد إلى مركز عالمي للبتروكيماويات
على الساحل الشمالي الشرقي للصين، تقف جزيرة تشانغشينغ في خليج “بوهاي” كنموذج حي لقوة التصنيع الصيني.
كانت الجزيرة حتى مطلع الألفية مجرد أرض زراعية وقرى صيد، قبل أن تُحوِّلها الحكومة الصينية إلى منطقة تطوير خاصة للبتروكيماويات عام 2012. اليوم، أصبحت مركزًا عالميًا لإنتاج المواد الكيميائية، وتجسد مزيجًا نادرًا من التخطيط الحكومي، والدعم المالي، والحوافز المحلية، وروح ريادة الأعمال.
شركة “هينغلي”.. العمود الفقري لصناعة البوليستر
قصة النجاح تقودنا إلى شركة Hengli، التي بدأت كمصنع صغير للنسيج في تسعينيات القرن الماضي. لاحقًا، وجدت في تشانغشينغ فرصة للصعود إلى القمة عبر إنتاج مادة حمض الترفثاليك النقي (PTA)، وهي مكوّن أساسي لصناعة البوليستر.
منذ عام 2010، استثمرت الشركة أكثر من 25 مليار يوان (3.5 مليار دولار) لتصبح أكبر منتج لمادة PTA في العالم، مما حوّل الصين من مستوردٍ صافٍ إلى أكبر مصدر عالمي لهذه المادة بنسبة تفوق 60% من الإنتاج الدولي.
الدعم الحكومي.. السر وراء الهيمنة
نجاح تشانغشينغ لم يكن صدفة.
الحكومة صنّفت المنطقة ضمن مشروعات الإنعاش الاقتصادي لشمال الصين، ما وفّر امتيازات ضريبية، وأسعارًا منخفضة للأراضي، وقروضًا من البنوك الحكومية، وتسريعًا في التراخيص.
كما استثمرت الدولة في بنية تحتية ضخمة تشمل موانئ حديثة وردم مساحات ساحلية لتوسيع الطاقة الصناعية.
وفق تقديرات صندوق النقد الدولي (IMF)، فإن تكلفة السياسة الصناعية للصين تبلغ نحو 4.4٪ من الناتج المحلي — وهي الأعلى عالميًا — ما يوضح حجم الدعم الذي تحظى به شركات مثل هينغلي.
العلم والتصنيع: شراكة الدولة والبحث
على بُعد دقائق من مصانع الشركة يقع معهد داليان للفيزياء الكيميائية، أحد فروع الأكاديمية الصينية للعلوم، حيث يعمل الباحثون على تطوير طرق إنتاج أكثر كفاءة للـPTA.
الشركة تفاخر بـ“التطبيق السريع لنتائج الأبحاث” بفضل التعاون المباشر مع المعهد، ما جعلها تمتلك فعليًا قسم أبحاث وتطوير ممولًا من الدولة.
توسع استراتيجي على طول سلسلة الإمداد
حين واجهت الشركة ارتفاعًا في تكلفة استيراد مادة البارازيلين (PX) عام 2019، قررت إنتاجها محليًا.
ولضمان تدفق المواد الخام، أسست وحدة لبناء ناقلات نفط عملاقة لنقل إمداداتها من النفط الخام، لتصبح نموذجًا متكاملًا من المنبع إلى المنتج النهائي.
التحديات: تباطؤ الطلب وعبء الديون
رغم القوة الإنتاجية، تواجه هينغلي مؤخرًا تباطؤًا في الطلب العالمي على البوليستر، ما تسبب في انخفاض معدلات النقل والإنتاج، إلى جانب قلق متزايد من الديون المرتفعة داخل القطاع الصناعي الصيني.
رسالة إلى العالم: الصين لا تتراجع
تُظهر تجربة تشانغشينغ أن هيمنة الصين الصناعية ليست مؤقتة، بل تتوسع إلى قطاعات جديدة.
ففي حين يركز الغرب على المعادن النادرة وأشباه الموصلات، تستحوذ الصين بهدوء على قطاع الكيميائيات، وهو ما يُعرف بـ“صناعة الصناعات” لكون منتجاته تدخل في كل شيء من الأقمشة إلى الإلكترونيات.
الحكومة الصينية أعلنت مؤخرًا خطة لتطوير الجزيرة نحو منتجات كيميائية أكثر تخصصًا وقيمة مضافة، مما يجعل اللحاق بها أصعب من أي وقت مضى.
اقرأ ايضَا:
شركة “Hypersonix” الأسترالية تحصد تمويلًا قياسيًا لتطوير محركات تفوق سرعة الصوت بالهيدروجين



