أفتقد الأيام التي لم يُنظر فيها إلى أمثالي بريبة في شوارع أمستردام

تحدّث الكاتب البريطاني من أصل سوداني، جمال محبوب، في مقاله المنشور بصحيفة الجارديان، عن التحول الكبير الذي طرأ على المجتمع الهولندي خلال العقد الأخير، قائلاً إنه بات يشعر بأن نظرات الشك والريبة تلاحقه في شوارع أمستردام، بعدما كانت المدينة رمزًا للتسامح والانفتاح.
يصف محبوب حيَّه في غرب أمستردام بأنه واحد من أكثر المناطق تنوعًا في المدينة، يضم سكانًا من كل أنحاء العالم، يسمع في أسواقه العربية والتركية والهولندية والإنجليزية، وتُباع فيه الخضروات والتوابل والحجاب والعبايات جنبًا إلى جنب.
ويقول الكاتب إن هذا التعدد الثقافي هو ما جعل من أمستردام مدينة فريدة، على الرغم من أن اليمين المتطرف – ممثلًا في السياسي خيرت فيلدرز – يرى في هذه الأحياء “جحيمًا متعدد الثقافات”.
صعود اليمين وتراجع التسامح
يرى محبوب أن خطاب فيلدرز الشعبوي لعب على مخاوف الهولنديين المتعلقة بأزمات الإسكان وتكاليف المعيشة والهجرة، مؤكدًا أن معظم الهولنديين لا يعرفون المهاجرين عن قرب، وأن آرائهم تتشكل عبر الجدل الإعلامي والسياسي لا التجربة اليومية.
ويشير إلى أن جريمة قتل فتاة هولندية في أغسطس الماضي على يد طالب لجوء – بحسب الادعاءات – فجّرت موجة غضب واستُغلت سياسيًا لتغذية النزعة المعادية للمهاجرين، مما شكّل اختبارًا صعبًا لـ”العقلية الليبرالية” في هولندا.
اليمين يخسر الحكم… لكن فكره يترسخ
ورغم خسارة فيلدرز وحلفائه اليمينيين المتطرفين في الانتخابات الأخيرة، إلا أن محبوب يرى أن أفكارهم أصبحت مترسخة في الوعي العام، حتى بين الأحزاب الليبرالية مثل حزب VVD الذي حاول التقارب مع اليمين المتشدد.
أما الحزب الوسطي D66 بزعامة السياسي الشاب روب ييتن فقد تصدّر الانتخابات الأخيرة، ممثلًا توجهاً أكثر اعتدالاً، لكنه لم يغير كثيرًا من الميل العام نحو التشدد في قضايا الهجرة.
أصوات المهاجرين الغائبة
ينتقد الكاتب غياب الأصوات المهاجرة والمسلمة عن النقاش العام، حتى في الأوساط الثقافية والأدبية، التي ما زالت – كما يقول – “بيضاء وطبقية إلى حدٍّ كبير”.
ويذكّر بأن قضايا مثل فضيحة إعانات الأطفال عام 2018، التي اتضح فيها أن الحكومة استهدفت آلاف الأسر على أساس عرقي، لم تحظَ بنقاش كافٍ في الحملات الانتخابية الأخيرة.
ويشير محبوب إلى أن الحزب اليساري الصغير BIJ1، الذي أسسته السياسية السوداء سيلفانا سيمونز ويركّز على مكافحة التمييز والعنصرية، لم يفز بأي مقعد في الانتخابات الأخيرة، ما يعكس محدودية الاهتمام الشعبي بهذه القضايا.
من التسامح إلى القلق
ويقول الكاتب إنه خلال عشر سنوات قضاها في هولندا، شاهد البلاد تتحول من واحة ليبرالية متسامحة إلى دولة قلقة سياسياً وغير مستقرة، حيث أصبح الخطاب المعادي للمسلمين والمهاجرين “أمراً مقبولاً اجتماعياً”.
وأختتم قائلاً: “أفتقد الأيام التي كان فيها راكبو الدراجات يبتسمون لي في الشوارع بدل أن ينظروا إلي بريبة. ما زلت أؤمن أن مستقبل هولندا يعتمد على تنوعها، وأن إنكار هذا الواقع لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام. فالمجتمع المتعدد الثقافات لن يختفي، سواء أحببنا ذلك أم لا، وما علينا سوى أن نتعلم كيف نجعله يعمل لصالح الجميع.”



