نيويورك تايمز: لماذا لا تستطيع أمريكا اللاتينية التخلي عن النفط؟
بين طموحات “التحول العادل للطاقة” وتناقضات الواقع الاقتصادي والسياسي قبيل قمة المناخ COP30
قبل أيام من انعقاد قمة المناخ COP30 في مدينة بيليم البرازيلية، يواجه قادة أمريكا اللاتينية مفارقة حادة: كيف يمكنهم قيادة التحول نحو الطاقة النظيفة دون التضحية بعائدات النفط التي تموّل اقتصاداتهم؟
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يقدّم نفسه كبطل عالمي للبيئة، مشيرًا إلى انخفاض كبير في معدلات إزالة الغابات بالأمازون منذ عودته إلى الحكم. لكن قراره الأخير بالسماح لشركة بتروبراس بالتنقيب عن النفط قبالة مصب نهر الأمازون فجّر انتقادات حادة من المنظمات البيئية. لولا برّر القرار قائلاً: “طالما أن العالم يحتاج إلى النفط، فلن نتخلى عن ثروة يمكن أن تحسّن حياة الشعب البرازيلي.”

هذا التوجه يعكس فهمًا برازيليًا خاصًا لمفهوم “التحول العادل للطاقة”: أي استمرار إنتاج النفط والغاز مع استخدام عائداته لدعم الفقراء وتمويل مشاريع الطاقة النظيفة. في المقابل، تتبنى كولومبيا بقيادة الرئيس غوستافو بيترو رؤية مغايرة تمامًا، إذ أوقف منح التراخيص الجديدة للتنقيب وفرض ضرائب على شركات الوقود الأحفوري، معلنًا أن بلاده “مستعدة لاقتصاد بلا نفط أو فحم.”
لكن التجربة الكولومبية تواجه عقبات اقتصادية ضخمة. فقد تباطأ النمو إلى 0.7٪ عام 2023، وتراجعت الاستثمارات في قطاع الطاقة، وانسحبت شركات كبرى مثل شل وإكسون موبيل، ما أجبر البلاد على استيراد الغاز بأسعار أعلى وانبعاثات أكبر. النقاد يرون أن سياسات بيترو “تُضعف المالية العامة دون أن تحقق انتقالًا فعليًا نحو الطاقة النظيفة.”

في المقابل، تمضي البرازيل في الاتجاه المعاكس، إذ تسعى لتصبح رابع أكبر منتج للنفط في العالم بحلول 2030، متجاوزة العراق والإمارات. كما تمتلك أحد أنظف مزيجات الكهرباء في العالم (90٪ من مصادر متجددة)، وتُعد رائدة عالميًا في الوقود الحيوي مثل الإيثانول المشتق من قصب السكر. وزير الطاقة البرازيلي ألكسندر سيلفيرا يرى أن “العدالة المناخية” تقتضي أن تتحمل الدول الغنية العبء الأكبر، مضيفًا: “لن يكون التحول عادلاً إذا لم يتوفر المال على الطاولة.”
بينما تسعى أورغواي وتشيلي إلى التحول الكامل للطاقة المتجددة، تسرّع دول أخرى كـ فنزويلا، المكسيك، الأرجنتين، وسورينام وتيرة إنتاج النفط لتعويض الخسائر الاقتصادية. حتى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وخصمه المحافظ ماريا كورينا ماتشادو يتفقان على هدف واحد: زيادة الإنتاج النفطي.

وفي حين يزداد الضغط الدولي لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، تؤكد التجربة اللاتينية أن “التحول العادل” يظل شعارًا مرنًا، يستخدمه كل بلد بما يخدم أولوياته الوطنية. فبينما تراهن كولومبيا على المثالية البيئية، تراهن البرازيل على الواقعية الاقتصادية — وكلاهما يعكس معضلة أعمق تواجه دول الجنوب: كيف توازن بين البيئة والتنمية؟

ومع اقتراب قمة COP30، يبدو أن أمريكا اللاتينية ستدخل المفاوضات منقسمة بين نموذج لولا البراغماتي ونموذج بيترو المثالي، ما يجعل سؤال التقرير المركزي قائمًا:
هل يمكن حقًا للمنطقة أن “تُقلع عن النفط” دون أن تُنهك نفسها اقتصاديًا؟



