بعد غياب واشنطن.. أوروبا تواجه اختبار القيادة في قمة المناخ

تجد أوروبا نفسها أمام اختبارٍ غير مسبوق في قمة المناخ COP30 التي تنطلق اليوم في مدينة بيليم البرازيلية، بعدما قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التغيب عن القمة، لتتحمل بروكسل وحدها عبء تمثيل الدول المتقدمة أمام ضغوط الدول النامية. ويأتي هذا الموقف في لحظة حرجة يتراجع فيها النفوذ الأوروبي عالميًا، بينما تعترف مصادر دبلوماسية بأن غياب الدعم الأمريكي “غير مريح” للاتحاد الذي اعتاد الاختباء وراء واشنطن في المفاوضات المناخية. وفي ظل هذا الغياب، تجد أوروبا نفسها مطالبة بإثبات أنها ما تزال قادرة على قيادة الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي، في وقتٍ تتصاعد فيه الخلافات الداخلية بشأن التحول الأخضر وتضعف ثقة الشركاء الخارجيين بقدرتها على الوفاء بتعهداتها.
تراجع داخلي يعقّد الموقف الأوروبي
رغم الصورة التي تحاول أوروبا تصديرها كزعيمة للتحول الأخضر، إلا أن الواقع السياسي داخل دولها يكشف عن ارتباكٍ واضح. فمع تصاعد نفوذ اليمين المتطرف وضغوط الصناعات الثقيلة، أخذت عدة حكومات أوروبية تتراجع عن قوانين بيئية كانت تُعدّ جوهر سياساتها المناخية. وتشهد العواصم الأوروبية خلافات متكررة حول وتيرة خفض الانبعاثات الكربونية، بينما يتضاءل الزخم الشعبي الذي كان يدعم خطط التحول البيئي. وفي الوقت الذي تسعى فيه بروكسل لإقناع قوى كبرى مثل الصين والهند بتبني أهداف أكثر طموحًا، تبدو عاجزة عن فرض انسجام داخلي بين دولها الأعضاء، ما يضعف مصداقيتها أمام الشركاء الدوليين ويحد من قدرتها على قيادة مفاوضات قمة بيليم بثقة وفاعلية.
أزمة أهداف 2035 تكشف انقسام الاتحاد
فشل الاتحاد الأوروبي في الالتزام بالموعد النهائي الذي حددته الأمم المتحدة لتقديم أهدافه المناخية لعام 2035، بعد أن عجزت حكوماته عن التوصل إلى اتفاق موحّد. وجاء الإعلان الأوروبي أخيرًا بصيغة غامضة، تراوحت فيها نسب خفض الانبعاثات بين 66.3% و72.5% مقارنة بمستويات عام 1990، بدلًا من هدفٍ واضح عند 72.5%. هذا التراجع أثار غضب الصين التي اعتبرت أن بروكسل تتنصل من التزاماتها، حيث وجّه مسؤولون صينيون خلال اجتماع رفيع في يوليو انتقادات حادة للأوروبيين، واصفين موقفهم بأنه “عار” على التكتل الذي يدّعي الريادة المناخية. ومع أن الأوروبيين حاولوا التخفيف من وطأة الانتقادات، إلا أن الموقف كشف هشاشة التنسيق الداخلي وضعف الإرادة السياسية في مواجهة التحديات العالمية.
خلافات أوروبية-صينية تضعف التعاون
تصاعدت حدة التوتر بين بروكسل وبكين بعد إعلان الصين نيتها خفض انبعاثاتها بنسبة تتراوح بين 7% و10% بحلول عام 2035، وهو ما اعتبرته أوروبا أقل بكثير من التوقعات. وردّ مفوض المناخ الأوروبي فوبكه هوكسترا بتصريح وصف فيه الالتزام الصيني بأنه “مخيب للآمال”، ما أثار استياءً واضحًا في بكين التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بازدواجية المعايير. ويرى مراقبون أن ردّ هوكسترا، رغم تعبيره عن موقف حازم، عكس غياب الحس الدبلوماسي الذي كانت واشنطن عادةً ما توفره لتلطيف الأجواء. وتشير تحليلات إلى أن الاتحاد الأوروبي يحاول اليوم القيام بدورَي “الشرطي الجيد والسيئ” معًا، لكنه لم يتقن بعد إدارة هذا التوازن الدقيق في العلاقات المناخية الدولية.
نقص الخبرة السياسية يعمّق المأزق
يعاني الوفد الأوروبي المشارك في قمة بيليم من غياب الشخصيات المخضرمة التي اعتادت قيادة المفاوضات المناخية. فقد ألغت برلين منصب مبعوث المناخ الذي كانت تشغله جينيفر مورغان، فيما خرج وزير المناخ الأيرلندي إيمون رايان من المشهد بعد الانتخابات الأخيرة. كما أن المفاوضين البارزين دان يورجنسن من الدنمارك وتيريزا ريبيرا من إسبانيا انضما إلى المفوضية الأوروبية ولن يشاركا في المؤتمر. ووفق دبلوماسيين، فإن غياب الولايات المتحدة زاد الأمور تعقيدًا، إذ كان الحوار مع الصين أكثر سلاسة حين كانت واشنطن حاضرة، خصوصًا عندما كانت اللقاءات بين جون كيري ونظرائه الصينيين تضمن استمرار التواصل. أما اليوم، فباتت العملية أكثر ارتجالًا وأقل تنسيقًا.
التجارة تُظلل على مفاوضات المناخ
لا تقتصر الخلافات بين بروكسل وبكين على ملف الانبعاثات، بل تمتد إلى النزاعات التجارية المرتبطة بالتحول الأخضر. فالاتحاد الأوروبي يشعر بقلقٍ متزايد من هيمنة الصين على التقنيات الحيوية والمواد اللازمة للطاقة النظيفة، بينما تعتبر بكين أن الإجراءات الأوروبية، خصوصًا “آلية تعديل الكربون الحدودية” (CBAM)، تمثل سلاحًا اقتصاديًا يهدف لإقصاء منتجاتها من السوق الأوروبية. ويخشى المراقبون أن يؤدي هذا التصعيد إلى تحويل أجواء قمة بيليم إلى ساحة توتر اقتصادي أكثر منها منصة تعاون بيئي، خاصة في ظل غياب الدور الأمريكي الذي كان يوازن عادة بين الجانبين. وتحذّر مراكز أبحاث أوروبية من أن فشل بروكسل في إدارة هذا الملف قد يعرّض أي فرص للتعاون المستقبلي مع الصين إلى خطر التآكل.
بين الطموح والواقع.. أوروبا أمام لحظة حسم
تدخل أوروبا قمة بيليم وهي مثقلة بتناقضات داخلية وضغوط خارجية متشابكة، ما يجعل طموحها البيئي مهددًا بالتآكل في غياب الدعم الأمريكي الذي كان يوفّر غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا لمواقفها. وبينما تحاول بروكسل الظهور كقوة مناخية مستقلة تملك رؤية شاملة للانتقال الأخضر، فإن اختبار COP30 سيكشف إن كانت القارة العجوز قادرة فعلًا على الانتقال من موقع التابع إلى موقع القائد. فإما أن تثبت أوروبا أن التزامها بالمناخ يتجاوز حدود الشعارات السياسية والمزايدات الخطابية، أو أن تؤكد القمة أن غياب واشنطن قد ترك فراغًا أوسع مما تستطيع بروكسل وحدها ملأه بثقة واقتدار.



