تحوّل إستراتيجي: واشنطن تبني قاعدة عسكرية قرب غزة وتحد من دور إسرائيل

تشهد المنطقة الفلسطينية تحوّلًا غير مسبوق في موازين القوة، مع إعلان الولايات المتحدة عن خطة لإنشاء قاعدة عسكرية كبيرة قرب حدود غزة داخل الأراضي الإسرائيلية. هذه الخطوة، التي قد تصل تكلفتها إلى نحو نصف مليار دولار، تمثل تدخلًا مباشرًا وغير تقليدي من قبل واشنطن في إدارة وقف إطلاق النار، بعد أن كان الوجود الأمريكي محدودًا للغاية. ويشير خبراء إسرائيليون إلى أن القاعدة المخطط لها ستستضيف عدة آلاف من الجنود الأمريكيين، وتكون مسؤولة عن مراقبة تنفيذ الاتفاقيات الأمنية والإنسانية في القطاع. كما يعكس هذا التوجّه تغيّرًا جذريًا في سياسة إسرائيل التقليدية، التي سعت منذ عقود لتقليل التدخل الدولي في شؤون الأراضي الفلسطينية، ويضع تحديات جديدة أمام قدرة تل أبيب على التحكم في الأحداث داخل غزة.
القاعدة الأمريكية وأبعادها العسكرية
تخطط الولايات المتحدة لإقامة قاعدة بالقرب من قطاع غزة، لتكون مركزًا عملياتيًا للقوات الدولية المكلفة بفرض واستدامة وقف إطلاق النار. ووفق وسائل الإعلام الإسرائيلية، سيتولى مركز التنسيق المدني العسكري الأمريكي في كريات جات أغلب المسؤوليات العملياتية، بما فيها مراقبة التهديدات الأمنية وتوزيع المساعدات الإنسانية. ويأتي هذا ضمن استراتيجية أمريكية تهدف إلى فرض دور نشط في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتحجيم تأثير إسرائيل على الأرض. ويؤكد المحللون أن الخطوة تمثل رسالة مزدوجة: توجيه تحذير لإسرائيل بشأن محدودية دورها، وإظهار قدرة واشنطن على ضبط الوقائع الميدانية في غزة، بما يضع تل أبيب أمام واقع جديد منسجم مع مصالح الإدارة الأمريكية.
نهاية الهيمنة الإسرائيلية التقليدية
يُعد هذا التوجّه تحوّلًا استراتيجيًا كبيرًا، إذ يقلص قدرة إسرائيل على التحكم في إدخال المساعدات الإنسانية وإدارة العمليات داخل غزة. ويشير مايكل ميلشياين، الباحث البارز في جامعة تل أبيب، إلى أن مركز القيادة الأمريكي سيكون هو الجهة الرئيسة في اتخاذ القرارات العملياتية، بينما ستظل إسرائيل مشاركة جزئية فقط. ويرى محللون أن هذه الخطوة تعكس إصرار واشنطن على المشاركة الفعلية في إدارة وقف إطلاق النار، ما قد يعيد رسم موازين القوى على الحدود، ويزيد من تعقيد حسابات تل أبيب الاستراتيجية في مواجهة حماس. هذا التحوّل يبرز مدى استعداد الإدارة الأمريكية لتوسيع نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة، حتى على حساب دور حليفها التقليدي.
آثار سياسية وإقليمية واسعة
يمثل إنشاء القاعدة الأمريكية تحديًا سياسيًا داخليًا في إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء، حيث يعارض بعض النواب الجمهوريين في واشنطن توسيع التدخل العسكري الأمريكي في الخارج. ويشير المراقبون إلى أن التدخل الأمريكي المباشر قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وإعادة توزيع المسؤوليات على الأرض بين واشنطن وتل أبيب. كما أن السيطرة الأمريكية على المساعدات الإنسانية في غزة تقلل من قدرة إسرائيل على استخدام هذه الملفات كوسيلة للضغط، ما يفرض ديناميكية جديدة في التعامل مع حماس والجماعات المسلحة الأخرى في القطاع. ويضيف ذلك بُعدًا جديدًا للتوازنات العسكرية والسياسية، قد ينعكس على كل من القرار الإسرائيلي والمفاوضات المستقبلية حول وقف إطلاق النار.
تعزيز الاستقرار ومخاطر التصعيد
بالرغم من أن القاعدة الأمريكية تهدف رسميًا إلى دعم وقف إطلاق النار واستقرار الوضع في غزة، إلا أن المراقبين يحذرون من احتمالية أن يؤدي هذا التوسع إلى توترات جديدة بين إسرائيل وواشنطن على إدارة القطاع. ويؤكد الخبراء أن نجاح الخطة يعتمد على التنسيق الدقيق مع السلطات الإسرائيلية، وقدرة واشنطن على فرض دورها دون إشعال صراع مفتوح. وبينما تسعى الولايات المتحدة لإرساء قواعد اشتباك جديدة، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة إسرائيل على التكيف مع هذا الواقع، وما إذا كان التدخل الأمريكي سيؤدي إلى تهدئة مستدامة أم سيزيد من تعقيد الوضع الأمني والسياسي في غزة والمنطقة المحيطة بها.



