تراجع قبضة الذهب على البات التايلندي… سياسات حكومية تعيد تشكيل العلاقة التاريخية
تشير أحدث البيانات إلى أن ارتباط العملة التايلندية بأسعار الذهب تراجع إلى أدنى مستوياته في نحو عامين، في علامة على أن جهود البنك المركزي والحكومة لتخفيف قوة البات بدأت تؤتي ثمارها بعد أشهر من الارتفاع المزعج للعملة.
فقد هبط الارتباط الممتد لـ 60 يومًا بين البات والذهب إلى 0.43 فقط هذا الأسبوع — وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر 2023 — بينما شهدت مؤشرات الارتباط الأقصر أمدًا (30 و45 يومًا) تراجعًا مشابهًا، بحسب بيانات بلومبرغ.
هذا الانفصال التدريجي يأتي بعد سلسلة خطوات اتخذتها السلطات لكسر العلاقة الوثيقة بين الذهب والبات، من بينها تشجيع تسوية صفقات الذهب بالدولار بدلًا من العملة المحلية، ودراسة فرض ضريبة على تداول الذهب الفعلي.
وكانت العلاقة بين الطرفين قد بلغت ذروتها في يونيو عندما وصل الارتباط إلى 0.8، الأعلى بين عملات آسيا الناشئة، مما عزز موجة ارتفاع دفعت البات إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات—وأثارت قلق المصدّرين وقطاع السياحة.
الإجراءات الحكومية تُرهب المضاربين… وتعيد التوازن للسوق
تقول السلطات إن ارتباط البات بالذهب شجّع عمليات مضاربة واسعة تقوم على شراء الذهب وبيع الدولار مقابل البات، ما ساهم في ارتفاع العملة بشكل غير مرغوب فيه، خاصة مع تراجع القدرة التنافسية للشركات التايلندية المتضررة من الرسوم الأمريكية مقارنة بمنافسين أرخص في فيتنام.
يقول كوبسيدي سيلباشتاي، رئيس الأبحاث في بنك كاسيكورن في بانكوك، إن مجرد إشارة الحكومة إلى احتمال اتخاذ إجراءات مالية أو نقدية كانت “أداة ردع معنوية” كفيلة بتقليص المضاربات:
“التهديد وحده — حتى دون تنفيذ — جعل المضاربين يترددون قبل الدخول في صفقات طويلة على الذهب وقصيرة على الدولار/بات”.
ومنذ منتصف سبتمبر، تراجع البات بنحو 2%، على الرغم من ارتفاع أسعار الذهب عالميًا بأكثر من 8% خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين حركة المعدن والعملات المحلية.

هل يعود الفضل بالكامل للحكومة؟ الصورة أكثر تعقيدًا
خبراء العملات يشيرون إلى أن هذا الانفصال لا يعود بالكامل للسياسات التايلندية. فالعملات الآسيوية مجتمعة تواجه ضغوطًا بسبب قوة الدولار الأمريكي، بينما يُعد اليوان الصيني والين الياباني “مرساتين” رئيسيتين تؤثر حركتهما على باقي عملات المنطقة.
يقول كريستوفر وونغ، خبير الاستراتيجيات في بنك OCBC:
“الارتباط بين الذهب والبات غير ثابت بطبيعته. قد يكون جزء من التراجع ناتجًا عن رسائل البنك المركزي، لكن المزاج العام في الأسواق العالمية يلعب دورًا لا يمكن تجاهله.”

هل يستمر فك الارتباط؟ كل الأنظار على السياسة النقدية
يتوقع محللون استمرار تراجع العلاقة بين الذهب والبات إذا واصلت السلطات جهودها لاحتواء قوة العملة.
ويشير بنك كاسيكورن إلى سيناريو محتمل يتمثل في تدخل البنك المركزي عبر شراء الدولار والذهب معًا عندما ترتفع أسعار الذهب، ما يدعم سعر صرف الدولار مقابل البات طالما حافظت تايلندا على فائض في حسابها الجاري.
يقول كوبسيدي:
“الأمر كله يتعلق بالمصداقية. السلطات تأمل ألا يعود المضاربون إلى الصفقة القديمة، وأن يبحثوا عن لعبة جديدة.”
ورغم أن الارتباط لم يتلاشَ بالكامل، فإن الإشارات الحالية تُظهر أن البات بدأ يتحرك وفق عوامل اقتصادية أوسع — بعد سنوات ظلّ فيها الذهب لاعبًا مؤثرًا في مساره اليومي — وهو تغيير قد ينعكس على أداء الصادرات والسياحة وميزان المدفوعات في الأشهر المقبلة.



