فايننشال تايمز: كيف تحاول الحكومات كسر “وحش” السوشيال ميديا؟

تحوّل الجدل حول تأثير السوشيال ميديا على الأطفال إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا لدى صانعي السياسات حول العالم. وفي قلب النقاش تقف عبارة لافتة لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن قالت فيها للبرلمان: “لقد أطلقنا وحشًا… الهواتف ومواقع التواصل تسرق طفولتنا”.
هذا التشبيه الصادم جاء بينما تتحرك كوبنهاغن لحظر وصول الأطفال دون 15 عامًا إلى منصات التواصل، في تشريع يُتوقع أن يستغرق وقتًا قبل دخوله حيّز التطبيق.
وبحسب الأرقام الرسمية، يمتلك 94% من الأطفال دون 13 عامًا حسابات على مواقع مخصصة لمن هم فوق هذا العمر أصلًا.
قلق عالمي… وغضب من تباطؤ شركات التكنولوجيا
ما يحدث في الدنمارك ليس استثناءً.
أستراليا صوّتت بالفعل على حظر السوشيال ميديا لمن هم دون 16 عامًا، وسيدخل القانون حيّز التنفيذ الشهر المقبل.
أما على مستوى العالم، فهناك 26 قانونًا في 19 دولة يستهدف تحسين سلامة الأطفال على الإنترنت.
ورغم ذلك، لا تزال شركات التكنولوجيا تردّ بخطاب متكرر:
السوشيال ميديا مفيدة، المخاطر “مبالغ فيها”، وما يجري مجرد موجة هلع أخلاقي معتادة مع كل ابتكار جديد.
لكن خلف الأبواب المغلقة، يرى سياسيون وباحثون أن هذه الشركات لم تُظهر استعدادًا حقيقيًا لمعالجة الإدمان أو المحتوى المؤذي، خاصة مع تراجعها عن سياسة “إزالة المحتوى الضار”.
ويُظهر الواقع حجم الأزمة: المراهق الأمريكي يقضي نحو 4.8 ساعة يوميًا على المنصات — أرقام وصفها مشرعون بأنها “كارثة صحية سلوكية”.
أصوات الأطفال أنفسهم: “نحن لا نستطيع الانفصال… كل شيء دائم التشغيل”
تقرير جديد أصدره مركز الأبحاث البريطاني “ديموس” قدّم رؤية مقلقة.
أجرى الباحثان شعيب جاموت وبيتر هايمان ورش عمل مع أكثر من 700 طفل عبر بريطانيا، وخلصا إلى تصور متناقض: السوشيال ميديا تمنح الأطفال قدرة على التعلم والتواصل والبقاء آمنين، لكنها في الوقت ذاته:
– مصدر تشتيت دائم
– بوابة للمواد الإباحية
– محفز لكره النساء
– مساحة تُسهِّل التنمر والتحرش
قال أحد المراهقين: “هي دائمًا موجودة… جزء من كل شيء.”
وخلص الباحثان إلى أن “جيل القلق” ليس تعبيرًا مبالغًا فيه، بل وصف دقيق لمراهقين يعيشون في نظام مصمّم لإبقائهم داخل دائرة الانتباه القسري.
بعد بداية متحفظة، توصّل الباحثان إلى أن حظر السوشيال ميديا لمن هم دون 16 عامًا قد يكون الطريقة الوحيدة لتحرير الأطفال من “قبضة الإدمان”.
الأطفال يريدون الحظر… ولو أجبروا عليه جماعيًا
تقدم الدراسات بعض المفارقات اللافتة: في تجربة أمريكية على طلبة جامعيين، احتاج الطلاب إلى 50 دولارًا للتخلي عن تيك توك لمدة شهر.
لكنهم قالوا إنهم مستعدون لدفع 24 دولارًا مقابل فرض الحظر على جميع الطلاب لمدة أربعة أسابيع.
هذه النتيجة تكشف طبيعة الإدمان الجماعي: الفرد يريد أن يتوقف… لكن ليس وحده.
إنه الخوف من أن يبقى خارج الدائرة بينما يستمر الآخرون في استخدامها.
قوانين بلا تطبيق… وقلق من “فجوة الذكاء الاصطناعي”
حملات تشريعية عدة بدأت بالفعل، لكن النتيجة ليست مضمونة.
ففي بريطانيا، رغم مرور عامين على قانون “السلامة على الإنترنت”، تقول البارونة بيبان كيدرون إن التنفيذ ما زال ضعيفًا:
“يمكننا سنّ مئة قانون، ولن يحدث شيء من دون أجهزة رقابة قوية.”
وتحذر كيدرون من أن الحكومات قد ترتكب الخطأ نفسه مع شات بوتات الذكاء الاصطناعي، التي بدأت تظهر تأثيرات مشابهة على الأطفال.
وتضيف أن على الحكومات أن تتصرف الآن، “لا أن تنتظر 15 عامًا كما فعلت مع السوشيال ميديا”.
بين حرية التعبير وحرية الإرادة… أين تقف المعركة؟
يخشى بعض السياسيين الأوروبيين من التصعيد ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية خشية الاتهام بتهديد “حرية التعبير”، خصوصًا في ظل توجهات الإدارة الأمريكية الحالية.
لكن جاك دورسي، الرئيس التنفيذي السابق لتويتر، يقدم منظورًا مختلفًا: “مشكلة حرية التعبير ليست القضية الحقيقية… النقاش الحقيقي يجب أن يكون حول حرية الإرادة.”
فكرة تتردد اليوم بين العديد من المشرّعين:
المعركة ليست ضد الكلام… بل ضد الأنظمة المصممة لإدمان الأطفال وسلب قدرتهم على اتخاذ القرار.
الخلاصة: “الوحش” خرج ولن يعود… إلا إذا تحركت الحكومات
مع تنامي الغضب الشعبي، ومع تزايد الدراسات حول الأثر النفسي والسلوكي للسوشيال ميديا، تبدو الحكومات أمام لحظة حاسمة.
إما أن تتدخل، كما فعلت الدنمارك وأستراليا، أو تستمر في ترك الأطفال داخل منظومة يصعب — أو يستحيل — على العائلات مواجهتها بمفردها.
فكما تقول فريدريكسن: “الأمر لا يتعلق بقمع حرية التعبير… بل بالدفاع عن حرية الإرادة.



