جسر مسّينا… مشروع عملاق يبتلع المليارات وصقليّة تبحث فقط عمّن ينقذ خدماتها المنهارة – تقرير عن الجارديان
عندما يصل القطار المتجه جنوبًا إلى بلدة فيلا سان جيوفاني، يتوقف فجأة ليُحمَّل بكامله إلى عبارة تعبر مضيق مسّينا نحو صقليّة. لسنوات طويلة، تحوّل هذا العبور القصير إلى مساحة اجتماعية يتبادل فيها الركاب الطعام والحكايات ويتأملون جبل إتنا من بعيد. بالنسبة للسكان، ليس هذا مجرّد عبور بحري، بل جزء من الهوية المحلية.
جسر بمليارات اليورو… وحلم يعود إلى الواجهة
الحكومة الإيطالية أعلنت مؤخرًا تخصيص 13.5 مليار يورو لبناء أطول جسر معلّق في العالم يربط صقليّة بالبرّ الرئيسي. لكن رغم الحماس الرسمي، أوقفت المحكمة المالية المشروع مجددًا بسبب مخاوف تتعلق بالتمويل، ما أعاد إلى الأذهان سلسلة عقود من الوعود الفاشلة منذ ستينيات القرن الماضي.
مؤيدون يرونه فرصة تاريخية ومعارضون يعتبرونه “وهمًا مكلفًا”
يرى أنصار المشروع أنه خطوة تنموية قد تخلق 120 ألف وظيفة سنويًا وتفتح أبواب الاستثمار. لكن المعارضين من مختلف التيارات السياسية يرون الجسر رمزًا لسوء الإدارة واستغلال الموارد بدافع الربح فقط. بالنسبة لهم، المشروع لا يستجيب لأولويات السكان الذين يعانون من أزمات أعمق بكثير.
مسّينا… مدينة تختنق من الفقر والفساد وانهيار الخدمات
رغم حيوية الحياة الثقافية، تعاني مسّينا من مشاكل متفاقمة: فساد سياسي، سوء إدارة مالية، انهيار في القطاع الصحي، مدارس مهددة، وجرائم منظمة تحتف بفراغ الدولة. كيف يمكن إنفاق مليارات على جسر بينما يعاني السكان للحصول على خدمات أساسية؟ هذا هو سؤال الشارع اليوم.
سالفيني… من معارض شرس للجسر إلى أكبر داعم له
المفارقة أن وزير النقل ماتيو سالفيني، المدافع الشرس عن المشروع اليوم، كان عام 2016 يؤكد أنه غير قابل للتنفيذ هندسيًا وأن الرياح القوية ستجعل تشغيله مستحيلًا. كما قال وقتها إن الأموال يجب أن تُوجه لدعم الخدمات المنهارة بدل مشاريع وهمية. ومع اشتداد آثار التغير المناخي، أصبحت حججه القديمة أكثر واقعية من أي وقت مضى.
مخاوف المناخ… بين حرائق وجفاف وانهيار في البنية المائية
شهدت المنطقة في السنوات الأخيرة حرائق متصاعدة ودورات جفاف غير مسبوقة. في صيف 2024، انهارت شبكات المياه، جفت السدود، وفقدت آلاف الأسر إمدادات المياه لأيام. فكيف يقبل السكان بتحويل 20% من مياه المنطقة لصالح مشروع لا يضمن أي مردود مباشر لهم؟
سكان ضد الجسر… وأرقام تقول كل شيء
استطلاع حديث كشف أن 70% من أبناء مسّينا يعارضون المشروع. بالنسبة لهم، ضجيج البناء، تدمير الموائل الطبيعية، التلوث، وإجبار 4 آلاف شخص على هدم منازلهم ليست “فرصة تاريخية” بل كارثة اجتماعية وبيئية تلوح في الأفق.
الخلاصة… ما تحتاجه صقلية ليس جسرًا بل دولة تهتم بها
رغم محاولات الحكومة لإحياء المشروع العام المقبل، يدرك السكان أن أولوياتهم ليست جسرًا عملاقًا، بل مستشفيات تعمل ومدارس لا تغلق، ونظام مياه لا ينهار كل صيف. حتى ذلك الحين، يواصل أهل الجزيرة التمسك بعبّارتهم اليومية التي صمدت عبر الزمن، مفضلين دفء العابرين ورائحة الـ«أرانشيني» على وعود الحديد والصلب.



