الجارديان تكشف: السعودية أغنى معرقل لخطط المناخ في العالم

بينما يتفق العلماء على أن الإنسان يموت كل دقيقة تقريبًا بسبب آثار أزمة المناخ، تقف المملكة العربية السعودية في قلب معادلة متناقضة:
الدولة التي تجني من النفط ما يعادل 170 ألف دولار في الدقيقة، تُعد في الوقت نفسه من أكبر معطّلي العمل المناخي الدولي… رغم أن مناخها نفسه أصبح، بحسب باحثين سعوديين، “على حافة قابلية العيش”.
آلة نقدية نفطية لا تهدأ
إيرادات أرامكو: أكبر شركة نفط في العالم، حققت بين 2016 و2023 أرباحًا تقارب 250 مليون دولار يوميًا.
تكلفة استخراج النفط من باطن الأرض: حوالي 2 دولار للبرميل.
سعر البيع: بين 60 و80 دولارًا للبرميل خلال العام الماضي.
هذه الفوارق الهائلة تموّل:
دعمًا سخيًا لأسعار الطاقة داخل المملكة
مشاريع نفوذ ناعم مثل ملف استضافة المونديال
مدن وخطط عمرانية خيالية ضمن “رؤية 2030” مثل مشروع نيوم ومدينة ذا لاين
لكن هذه “الماكينة” النفطية هي نفسها التي ترى في التخلّي عن الوقود الأحفوري تهديدًا وجوديًا لاقتصاد المملكة ونظامها السياسي.
من على وشك إفشال اتفاق المناخ… إلى “كرة هدم” في مفاوضات الأمم المتحدة
منذ بدايات التفاوض على اتفاقية المناخ العالمية في التسعينيات، لعبت الرياض دورًا حاسمًا في إبطاء التقدم:
في التفاوض على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للمناخ، كاد الوفد السعودي (ومعه الكويتي) أن يعرقل اعتماد النص، لولا تجاهل رئيس الجلسة لاعتراضاته في اللحظات الأخيرة.
مبكرًا، ضغطت السعودية وحلفاؤها لرفض التصويت بالأغلبية داخل مسار المناخ، وفرضت قاعدة “الإجماع” فقط، ما منح حقّ تعطيل فعلي لأقلية من الدول المعترِضة.
منذ ذلك الوقت، أتقنت السعودية:
تعطيل جداول الأعمال
الاعتراض على مناقشة “الاستغناء عن الوقود الأحفوري”
ربط تمويل التكيّف للدول المتضررة بفكرة تعويض الدول النفطية عن “خسارة مبيعات المستقبل”
باحثون وصفوا هذا السلوك بأنه محاولة مستمرة لـ“تحقيق أقل قدر ممكن، بأبطأ وتيرة ممكنة”داخل كل جولة تفاوض.
التعطيل يتجاوز المناخ… من البلاستيك إلى الشحن البحري
لم يعد الدور السعودي مقتصرًا على قاعات قمم المناخ:
اتفاق عالمي للحد من إنتاج البلاستيك بدعم أكثر من 100 دولة، انهار بعد معارضة السعودية وحلفائها ومنع إدخال التصويت كآلية حسم.
الاتفاق على ضريبة كربون على قطاع الشحن البحري تعطّل بعد تصويت على التأجيل، لعبت فيه الرياض دورًا رئيسيًا.
حتى في قمة التصحّر التي استضافتها السعودية عام 2024، فشل المجتمع الدولي في تمرير نص يربط بين الجفاف وتغير المناخ، بسبب رفض البلد المضيف لأي ذكرٍ للمناخ في البيان الختامي.
إلى جانب ذلك، تضغط الرياض باستمرار لتخفيف لغة تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، وتحاول حذف أو إضعاف الإشارات إلى “صفر انبعاثات” وضرورة الخروج من الوقود الأحفوري، رغم إعلانها هدف حياد كربوني بحلول 2060.
مفارقة لافتة: استغرق الأمر 28 مؤتمرًا سنويًا (COP) حتى يُذكر الوقود الأحفوري لأول مرة في نص قرار رسمي عام 2023 – ومع ذلك حاولت السعودية فورًا إعادة تفسير النص على أنه مجرد “خيار ضمن قائمة”.
لماذا تقاتل السعودية ضد تسريع الانتقال الطاقي؟
الأرقام تشرح جزءًا كبيرًا من الصورة:
انبعاثات CO₂ السنوية: 736 مليون طن (سابع أعلى دولة في العالم).
انبعاثات الفرد: أكثر من 22 طنًا للفرد (مقابل متوسط عالمي قدره 4.7 أطنان).
نسبة الاعتماد على النفط في موازنة الدولة: نحو 60% من الإيرادات (بعد أن كانت 90% قبل عقد).
وفق محللين:
بيت آل سعود يمول استقراره الداخلي ونفوذه الخارجي من ريع النفط.
الدعم الضخم للمحروقات داخل المملكة يفوق أحيانًا الإنفاق على الصحة.
رؤية 2030 تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط، لكن المفارقة أن تمويل هذه الرؤية يعتمد على استمرار أسعار النفط مرتفعة (تقديرات تشير إلى حاجة السعودية لنحو 96 دولارًا للبرميل لمعادلة الميزانية).
استراتيجية المملكة، كما يصفها بعض الخبراء، ليست التخلي عن النفط، بل احتكار ما تبقّى من سوقه مع تقلص الإنتاج العالمي، لتبقى أرامكو “آخر من يغلق النور في عالم النفط”.
“شوكة ثلاثية”: كيف تحاول الرياض التوفيق بين النفط والانتقال الأخضر؟
يشرح الخبير في طاقة ومناخ الشرق الأوسط كريم الجندي أن السعودية باتت تتحرك وفق ثلاثية استراتيجية منذ إدراكها أن التحول الطاقي العالمي أصبح “لا يُوقف” تقريبًا:
إبطاء الانتقال العالمي
عبر تعطيل الاتفاقيات
التشكيك في سرعة الخروج من الوقود الأحفوري
الدفع باتجاه سردية: “النفط ليس المشكلة، الانبعاثات هي المشكلة”
إزالة الكربون داخليًا وتوسيع الطاقة المتجددة
التوسع السريع في الطاقة الشمسية والرياح لتوليد الكهرباء بأرخص تكلفة
الترويج لـ المبادرة السعودية الخضراء ونصف القدرة الكهربائية المتجددة بحلول 2030
تطوير صناعة سيارات كهربائية محلية
النتيجة: تخفيض استهلاك النفط داخل المملكة، وتحرير حجم أكبر منه للتصدير.
تصدير كل “جزيء” من النفط بأقصى سرعة ممكنة
تمويل التحول الاقتصادي بعيدًا عن النفط من خلال تعظيم العائدات الحالية
تنفيذ برامج مثل “استدامة الطلب على النفط” في إفريقيا ودول أخرى، عبر تشجيع البنية التحتية القائمة على الوقود الأحفوري (سيارات، حافلات، طيران).
بكلمات أخرى:المملكة تريد أن تصبح “دولة خضراء وغنية” في المستقبل، لكنها لا ترى طريقًا للوصول إلى هناك إلا عبر بيع أكبر قدر ممكن من الوقود الأحفوري الآن.
الرهان على “اقتصاد الكربون المدور” وتقنية الالتقاط والتخزين
تحاول السعودية تغيير قلب النقاش من “التخلص من النفط” إلى “التخلص من الانبعاثات” عبر:
الترويج لمفهوم “الاقتصاد الدائري للكربون”
الدفع بتقنيات احتجاز وتخزين الكربون (CCS) كحل سحري يسمح باستمرار استخدام النفط والغاز مع خفض الانبعاثات
لكن خبراء يشيرون إلى أن:
تقنيات CCS بعيدة جدًا عن العمل على مستوى واسع
معدلات الالتقاط الحالية لا تقترب مطلقًا من حجم التخفيض المطلوب عالمياً
لذلك تصنف مواقع مستقلة خطط السعودية المناخية بأنها “غير كافية بشكل حرج”، وأحيانًا “لا تزال على مستوى المخططات”.
شعب يعيش على حافة الحرارة القاتلة
المفارقة الأكبر: ما تعرقله السعودية خارجيًا ينعكس بقسوة على مناخها الداخلي نفسه.
تقرير مشترك لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) ومركز الملك عبدالله للدراسات البترولية (كابسارك) عام 2023 وصف الوضع كالآتي:
“المؤشرات البيئية في السعودية تقف بالفعل على حافة قابلية العيش.”
من أبرز النتائج العلمية:
متوسط حرارة المملكة ارتفع 2.2 درجة مئوية بين 1979 و2019، أي أسرع بثلاث مرات من المتوسط العالمي.
في الصيف وحده، ارتفعت الحرارة بمقدار 2.6 درجة مئوية.
سيناريو ارتفاع 3 درجات عالميًا يعني للسعودية:
موجات حر “فائقة” تصل إلى 56 درجة مئوية أو أكثر
صيفًا أكثر حرارة بمعدل 9 درجات إضافية عن اليوم
حتى مع حصر الاحترار عند 2 درجة:
قد تقفز الوفيات المرتبطة بالحرارة إلى 13 ضعفًا مقارنة بالوضع الحالي،
وتصل إلى 63 ضعفًا في السيناريو الأسوأ.
الحج نفسه لم يسلم:
في 2024، توفي أكثر من 1,300 حاج في موجة حر قاتلة.
في الوقت نفسه:المدن الكبرى (مثل الرياض وجدة والدمام) تواجه خطرًا مزدوجًا:
الحرارة الشديدة والجفاف
الفيضانات المفاجئة، مع تسجيل أكثر من 10 فيضانات قاتلة في الرياض خلال 30 عامًا أما ارتفاع مستوى سطح البحر، فيهدد موانئ نفطية حيوية مثل رأس تنورة وينبع التي يمر منها 98% من صادرات النفط السعودية تقريبًا.
ثراء يحمي… لكنه يغذي المشكلة
ثروة المملكة توفر لها:
تكييفًا واسعًا
تحلية مياه بحر مكلفة
قدرات هندسية للتكيف العمراني
لكن المشكلة أن هذا التكيف يعتمد أيضًا على الوقود الأحفوري، مما يعيد إنتاج المشكلة:
المدن الحديثة تستهلك طاقة هائلة، تزيد الانبعاثات، فتزيد سخونة المناخ الذي نحاول أصلاً أن نتحصن ضده.
السؤال الذي يطرحه بعض الخبراء:إلى أي حد يمكن التكيّف، عندما تصبح مجرد مغادرة المنزل في الصيف تهديدًا جسديًا مباشرًا؟
من يستطيع كسر “الفيتو السعودي”؟
تعطيل الرياض لا يضر فقط بالاتفاقيات، بل يترجم إلى مزيد من الخسائر البشرية عالميًا.
منظمات بيئية تقول إن:كل سنة تأخير في الخروج من الوقود الأحفوري تعني مزيدًا من الموت والدمار في دول فقيرة وغنية على السواء.
الدول التي “تؤخر” وتستمر في ضخ النفط والغاز يجب أن تتحمل نصيبًا أكبر من تكلفة الخسائر والأضرار.لكن هناك مسارات بدأت تتشكل لتجاوز التعطيل:
تحالفات طوعية خارج إطار الإجماع داخل الأمم المتحدة، تركز على الطاقة المتجددة والتخلص من الفحم و حماية الغابات
دعوات لاعتماد التصويت بأغلبية فائقة (سبعة أثمان الدول) في قرارات المناخ، بحيث لا تتمكن أقلية صغيرة من تعطيل إرادة الغالبية.
مقترحات لـ “بطاقات صفراء” دبلوماسية للدول التي تكرر تعطيل الإجراءات الإجرائية عمدًا، على غرار عقوبات تأخير اللعب في كرة القدم.
تذهب بعض التحليلات إلى حد القول:“التأخير المتعمد داخل مفاوضات المناخ لا يقل سوءًا عن الاستمرار في ضخ الانبعاثات… ومن يفعل الاثنين معًا، كما تفعل السعودية، يتحمل مسؤولية مضاعفة.”
في الخلاصة، السعودية ليست “الشرير الكارتوني” في قصة المناخ، بل دولة ترى بوضوح أن الانتقال الطاقي يهدد حجر الأساس في اقتصادها ونظامها السياسي، وتحاول كسب الوقت لتمويل خروج ذاتي آمن من عصر النفط.
لكن ما تكسبه من دقائق أرباح نفطية، يدفع ثمنه ملايين البشر حول العالم في دقائق حقيقية من الحرّ، والجفاف، والفيضانات، والوفيات.









