لماذا أصبح قيادة «بي بي سي» مهمة شبه مستحيلة؟

مع كل أزمة سياسية أو إعلامية كبرى في بريطانيا، يعود اسم هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إلى واجهة الجدل، ومعه السؤال الصعب: لماذا يبدو منصب المدير العام لهذه المؤسسة كأنه وظيفة انتحارية سياسيًا وإعلاميًا؟
استقالة المدير العام تيم ديفي، والرئيسة التنفيذية للأخبار ديبورا تيرنيس، على خلفية تعديل مضلل في خطاب لدونالد ترامب في برنامج «بانوراما»، أعادت فتح ملف هشاشة قيادة «بي بي سي» في زمن الاستقطاب الحاد.
إرث ثقيل من الاستقالات والأزمات
منذ مطلع الألفية، أصبح تاريخ «بي بي سي» سلسلة من الرحيلات القسرية على وقع الفضائح الإخبارية:
غريغ دايك (2004) أُجبر على الاستقالة بعد تقرير تحقيق رسمي نسف طريقة تعاطي القناة مع تقرير إذاعي اتهم حكومة توني بلير بـ«تزييف» معلومات غزو العراق.
جورج إنتويستل (2012) رحل بعد 54 يومًا فقط بسبب تعثّر «نيوزنايت» في تغطية فضيحة جيمي سافيل، ثم بث اتهامات خاطئة ضد سياسي محافظ.
توني هول (2020) غادر في أجواء عدائية من حكومة بوريس جونسون.
خلال 25 عامًا، المدير العام الوحيد الذي خرج بشروطه الخاصة كان مارك تومسون – وحتى هذا الاستثناء كان يمكن أن يسقط لو انفجرت فضيحة سافيل أبكر بقليل.
كما يلخص أحد القياديين السابقين في الهيئة:«الدراما والبرامج الترفيهية تصنع مجد بي بي سي… لكن الذي يُسقط المدير العام دائمًا هو قسم الأخبار.»
استقالة ديفي وتيرنيس: خطأ صغير فوق جبل من الإنهاك
الملفت في الأزمة الأخيرة أنها:
لم تأتِ نتيجة ضغط مباشر من الحكومة أو مجلس الإدارة؛
لم تُرصد أصلاً شكاوى جماهيرية كبيرة حول المونتاج الخاطئ لخطاب ترامب؛
تزامنت مع انشغال الجمهور بمتابعة برامج ترفيهية مثل نهائي «سيليبريتي ترايترز».
رغم ذلك، قرر تيم ديفي المغادرة. السبب الأعمق، وفق مقربين، هو تراكم الإنهاك السياسي والإعلامي:نجا بصعوبة من عاصفة مشاركة فرقة «بوب فايلان» في غلاستنبري وهتافها «الموت للـIDF».كان يستعد لموجة انتقادات جديدة بسبب كتاب مرتقب عن مقابلة الأميرة ديانا الشهيرة عام 1995.بمعنى آخر، خطأ مونتاج ترامب كان الشرارة، لا الوقود الحقيقي.
مؤسسة عملاقة… «أكبر من أن لا تخطئ»
تنتج «بي بي سي» سنويًا حجمًا هائلًا من المحتوى:
أكثر من 88 ألف ساعة على «آي بلاير» في عام واحد – أي ما يزيد عن عشر سنوات مشاهدة متواصلة.
إضافة إلى الراديو، والموقع الإلكتروني، والخدمات بلغات أجنبية.
بهذا الحجم، الأخطاء حتمية، لكن الفارق أن:أي خطأ يُضخَّم على يد خصوم أيديولوجيين وتجاريين، مثل قنوات منافسة وصحف يمينية؛
المدير العام يصبح مسؤولاً عن كل شيء: من الأجور إلى الحياد السياسي إلى تغريدة لمذيع معروف.
كما قال غريغ دايك يومًا:«لو أن تقرير غيليغان عن العراق بُثّ على القناة الرابعة، ربما لم يكن أحد سيتوقف عنده بهذه الطريقة.»
الحياد بين «توازن الأصوات» و«الحكم التحريري»
داخل «بي بي سي» مدرستان للتعامل مع مفهوم الحياد:نهج التوازن بين الأصوات يفضله صحفيو السياسة في وستمنستر.يقوم على توزيع المساحة حسب قوة الأحزاب في البرلمان.
نهج الحكم التحريري المستقل
أقوى في التحقيقات والبرامج الوثائقية.
يركز على وزن الحقائق والأدلة بدل الاكتفاء بـ«رأي مقابل رأي».
هذا التوازن كثيرًا ما يؤدي إلى «حياد زائف»:
في ملف التغير المناخي، ظل من يسمَّون «منكري المناخ» يظهرون على الشاشة كندّ علمي رغم تهميشهم في المجتمع العلمي.
في استفتاء بريكست، عومل اقتصاديو «البقاء» و«الخروج» ككتلتين متساويتين تقريبًا، رغم اختلاف الوزن العلمي.
في ملف الهجرة، أشارت مراجعات داخلية إلى أن تغطية «بي بي سي» أحيانًا تكتفي باقتباس أصوات سياسية متعارضة، دون تعميق أو إتاحة مساحة كافية لأصوات المهاجرين أنفسهم.ومع ذلك، جميع الاتجاهات السياسية تقريبًا تتهم القناة بالانحياز ضدها:اليمين المتشدد يرى أن «بي بي سي» ليبرالية يسارية؛قوى خضراء وليبرالية أصبحت مؤخرًا أكثر صراحة في انتقاد ما تراه ميلاً لخطاب الهجرة المتشدد أو تغطية سطحية.
ضغط الحكومات والإعلام اليميني: الحياد تحت النار
منذ ثمانينيات تاتشر وصولًا إلى جونسون وما بعده، تعرّضت «بي بي سي» لضغط مباشر ومتفاوت:
مارغريت تاتشر عينت رئيسًا للمجلس بعد التواصل مع روبرت مردوخ، فكان من أول قراراته دفع المدير العام آنذاك إلى الاستقالة.
مفكّرون مثل دومينيك كامينغز وصفوا «بي بي سي» مبكرًا بأنها «عدو مميت» ودعوا إلى خلق «فوكس نيوز بريطانية» تهاجمها باستمرار.
حكومة بوريس جونسون لوّحت بإنهاء رخصة الرسوم (الـLicence Fee)، ومنعت الوزراء من الظهور في برنامج «توداي» الشهير، وعينت شخصيات ذات توجهات حزبية مثل روبّي غيب في مجلس الإدارة.
النتيجة:إدارات «بي بي سي» المتعاقبة حاولت التعويض عبر إظهار حساسية أكبر تجاه المحافظين وناخبي بريكست؛
فرضت قيودًا على تعبير مذيعين مثل غاري لينيكر عن آرائهم السياسية؛وأتاحت مساحة مهمّة لأحزاب مثل Reform UK، حتى حين تكون أرقامها أو وعودها الاقتصادية موضع تشكيك من مراكز بحثية.
رغم ذلك، استطلاعات الرأي تظهر أن:أغلبية البريطانيين ما زالت تثق بـ«بي بي سي»؛لكن أغلبية ناخبي بعض الأحزاب اليمينية لا يرونها منصفة، ويجدون بديلهم في قنوات منحازة بوضوح مثل GB News.
حين يتحول الدفاع إلى إنكار… والخطأ الصغير إلى أزمة كبرى
الدرس المتكرر من أزمات 2004 و2012 و2025 واحد تقريبًا:المشكلة ليست الخطأ الأول، بل الإصرار على عدم تصحيحه سريعًا.
في قضية مونتاج ترامب:بعض المسؤولين في «بي بي سي نيوز» كانوا على علم بالمشكلة منذ يناير؛لم تُعالج المسألة بجدية لأن المقطع لم يثر ضجة جماهيرية؛
جزء من الإدارة أصبح معتادًا على «اتهامات ظالمة» إلى درجة أنه لم يلتقط هذه المرة الاتهام الذي كان يستحق الاعتراف والاعتذار المبكر.
الآن، وبعد اعتذار رسمي، يلوّح ترامب بدعوى قضائية ضد «بي بي سي».
خبراء إعلام يحذرون:لو دفعت «بي بي سي» دولارًا واحدًا لترامب، ستكون هذه أكبر ضربة لمصداقيتها كهيئة مستقلة.
حوكمة مهزوزة وتمويل مهدد
منذ 2001 تغيّرت نظم حوكمة «بي بي سي» أكثر من مرة، لكن:لم يصمد أي رئيس مجلس إدارة أكثر من أربع سنوات؛الإفصاح عن رواتب النجوم وكبار التنفيذيين – الذي أرادته الإدارة خطوة شفافية – تحول إلى سلاح في يد الصحف المعادية؛تجدد ميثاق عمل «بي بي سي» (الـCharter) كل بضع سنوات يفتح الباب دوريًا لسؤال:«هل يجب أن تستمر بي بي سي أصلاً؟»
بعض القيادات السابقة تقترح:
ميثاق دائم يضمن وجود «بي بي سي» كما نضمن وجود الـNHS؛إنهاء تعيين أعضاء مجلس الإدارة من قبل الحكومة؛تعزيز استقلال هيئة التحرير عن الحسابات السياسية اليومية.
الحكومة العمالية الحالية امتنعت حتى الآن عن مهاجمة القناة، وتدرك – كما يبدو – أن «بي بي سي» جزء من القوة الناعمة البريطانية، وسدّ مهم في وجه صحافة يمينية متطرفة ومنصات غير منضبطة على السوشيال ميديا.
هل أصبح المنصب غير قابل للقيام به؟
راتب المدير العام، الذي بلغ حوالي 541 ألف جنيه إسترليني العام الماضي، لم يعد يغري كثيرين إذا كان الثمن:هجومات متواصلة من صحف وأحزاب ، مسؤولية سياسية وأخلاقية عن آلاف الساعات من البث سنويًا؛احتمال شبه مؤكد لنهاية «غير مشرّفة» في خضم أزمة مفاجئة.
أحد المديرين السابقين يلخّص الوضع:
«قد نكون بصدد تحويل الوظيفة إلى مهمة غير قابلة للتنفيذ. وسنكتشف أن قائمة المرشحين تضيق عامًا بعد عام.»
في النهاية، من يقبل بالمنصب اليوم يحتاج إلى:إحساس عالٍ بالواجب العام؛قدرة على تحمّل الضغط والاستهداف؛واستعداد دائم للتعامل مع الأزمات، وربما الاستمتاع بها قليلًا.
فمؤسس «بي بي سي» جون ريث، حين انتهت أزمة الإضراب العام عام 1926، كتب في مذكراته بشيء من الخيبة:«كان من الممتع جدًا إدارة أزمة وطنية.»
أي شخص لا يستطيع أن يتخيّل نفسه يكتب جملة كهذه… ربما لا يجب أن يفكر في التقدم لقيادة «بي بي سي» أصلًا.

إقرأ أيضا:




