الجارديان: كيف أصبحت بريطانيا الخصم المفضل لروسيا بدلًا من الولايات المتحدة؟
تشير تقارير صحفية وسياسية حديثة إلى أن بريطانيا باتت في السنوات الأخيرة الهدف الرئيسي للاتهامات الروسية، لتحلّ تدريجيًا محل الولايات المتحدة في الخطاب الرسمي والإعلامي بموسكو. فوفق الرواية الروسية، تُتهم لندن بالضلوع في هجمات بطائرات مسيرة على قواعد جوية روسية، والمشاركة في تفجير خط أنابيب “نورد ستريم”، وتوجيه عمليات داخل الأراضي الروسية، وصولًا إلى ادعاءات بدعم الهجوم الإرهابي الذي استهدف حفلًا موسيقيًا في موسكو العام الماضي – وجميعها اتهامات تنفيها الحكومة البريطانية.
اتهامات جديدة وسط السعي لإعادة ضبط العلاقات مع إدارة ترامب
هذا الأسبوع، أضافت الأجهزة الروسية اتهامًا جديدًا مفاده أن الاستخبارات البريطانية حاولت استمالة طيار روسي يقود مقاتلة مزوّدة بصاروخ “كينجال” للتوجه إلى رومانيا، حيث تزعم موسكو أنه كان سيتم إسقاط الطائرة من قبل قوات الناتو. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تحدث عن “تفاصيل كاملة” قدمها جهاز الأمن الفدرالي، فيما تؤكد بريطانيا عدم تورطها في أي من هذه الادعاءات.
ومع سعي موسكو لفتح صفحة جديدة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يرى محللون أن بريطانيا أصبحت البديل الأسهل للهجوم، خصوصًا وأن انتقاد واشنطن لم يعد يتناسب مع حسابات الكرملين الحالية.

إرث طويل من التنافس يمتد إلى القرن التاسع عشر
العلاقات الروسية-البريطانية مضطربة منذ الحقبة الإمبراطورية، عندما تنافست الدولتان في “اللعبة الكبرى” للنفوذ في آسيا الوسطى. ورغم فترات تعاون محدودة، عادت بريطانيا لتصبح خصمًا أيديولوجيًا بعد ثورة 1917، معتبرة من قبل البلاشفة رأس النظام الإمبريالي الغربي.
وفي الحرب الباردة، ظلّت الولايات المتحدة “العدو الرئيسي” في خطاب الاستخبارات السوفيتية، بينما احتلت بريطانيا مرتبة أقل أهمية في تلك المواجهة، لكنها لم تكن غائبة عن مشهد التجسس المتبادل.
الحرب في أوكرانيا… نقطة التحول الأكبر
مع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، تدهورت العلاقات إلى أدنى مستوياتها منذ عقود. وعلى الرغم من فارق القوة بين واشنطن ولندن، كانت بريطانيا – بحسب مصادر أوكرانية – أكثر جرأة في تقديم الدعم العسكري والاستخباراتي لكييف. زيارة رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون إلى كييف في أبريل 2022، قبل الرئيس الأمريكي بفترة طويلة، رسخت هذا الانطباع في ذهن موسكو.
تعاود الرواية الروسية اتهام جونسون بإفشال مفاوضات مبكرة للسلام في 2022، وهو ادعاء تنفيه كييف لكنه تحول إلى عنصر ثابت في الإعلام الروسي.

“الأنجلو-ساكسون”… مصطلح قديم بمعنى جديد
داخل النخبة الروسية، تتزايد النزعة “الأنجلوفوبية”، إذ يُستخدم مصطلح “الأنجلو-ساكسون” لوصف قوة غربية تقودها بريطانيا يعتقد الكرملين أنها تستهدف إضعاف روسيا ومحاصرتها. ويواكب الإعلام الرسمي هذه اللغة بخطاب تصعيدي، يصل أحيانًا إلى تهديدات رمزية، من بينها تصريحات متكررة حول قدرة روسيا على “إغراق بريطانيا” بأسلحة متقدمة.
وبحسب استطلاع لمركز “ليفادا” الروسي، يرى نحو 49% من الروس أن بريطانيا من أبرز خصوم بلادهم، لتأتي في المرتبة الثانية بعد ألمانيا.
تناقض في الرسائل… “إمبراطورية متهاوية أم قوة تحرك العالم؟”
تصف موسكو بريطانيا في خطابها الداخلي بصورة مزدوجة:
• قوة صغيرة ومتراجعة
• وفي الوقت نفسه لاعب مؤثر يقف وراء “مؤامرات” تستهدف روسيا
ويرى خبراء أن هذا الخطاب يمنح بريطانيا “تكريمًا عكسيًا”، إذ يبرزها كفاعل دولي أقوى مما تبدو عليه واقعيًا.
عزلة سياسية متصوّرة وانقطاع في قنوات الاتصال
على الصعيد الدبلوماسي، يقال إن لندن تواجه صعوبة في فتح خطوط تواصل خلفية مع موسكو مقارنة ببرلين وباريس، وفق تقارير نُشرت هذا الأسبوع. ويرجح محللون أن تأييد الرأي العام البريطاني لسياسات دعم أوكرانيا يحدّ من قدرة روسيا على التأثير في الداخل البريطاني.
كما ترى موسكو، وفق أكاديميين غربيين، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جعلها أكثر عزلة سياسيًا واستراتيجية، ما يجعلها – من وجهة نظر الكرملين – هدفًا أسهل في سياق الحرب الإعلامية



