فايننشال تايمز: رؤية “القوة العظمى في الطاقة” التي يطرحها مارك كارني تصطدم بعقبات سياسية

يتبنّى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رهانا محفوفا بالمخاطر: الاعتماد على الوقود الأحفوري لإحياء الاقتصاد الكندي، في لحظة تتشابك فيها السياسة بالطاقة إلى حدّ التعقيد.
في أطراف مدينة إدمونتون، يظهر مركز “إنبريدج” النفطي كمتاهة من الأنابيب والخزانات، يعكس طموحات كندا النفطية التي تزايدت خلال العقود الماضية. فالدولة توفّر اليوم نحو 60% من واردات النفط الأمريكية، أغلبها من رمال ألبرتا الغنية بالبيتيومين، والتي تُعد ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم. وقد تضاعفت صادرات هذه المنطقة خلال عشر سنوات لتدرّ عائدات تبلغ 147 مليار دولار كندي في 2025.
لكن التوترات السياسية تعقّد الصورة. فبعد فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوما جمركية قاسية لا تشمل قطاع الطاقة، أعلن كارني أن “العلاقة التجارية القديمة مع الولايات المتحدة قد انتهت”، وبدأ بالبحث عن أسواق بديلة.
كارني، الذي كان أحد أبرز دعاة التحول المناخي عالميًا، يتحرك اليوم في الاتجاه المعاكس. يريد لبلاده أن تصبح “قوة عظمى في مجال الطاقة” عبر زيادة الإنتاج، وتخفيف القيود التنظيمية، وإعادة إحياء مشاريع خطوط الأنابيب. ويأمل بذلك في تهدئة الاحتقان المزمن بين الحكومة الفيدرالية ومقاطعات الغرب الغنية بالنفط، إضافة إلى تخفيف التوتر مع مجموعات السكان الأصليين.
إلا أن هذه الرؤية تواجه معارضة واسعة، إذ يرى خبراء أن التوسع النفطي سيصطدم بمقاومة بيئية شرسة، وبخلافات مع دعاة حقوق السكان الأصليين، فضلا عن تعقيد علاقات كندا التجارية مع واشنطن.

في ألبرتا – قلب استراتيجية كارني – تُنتج رمال النفط 3.5 مليون برميل يوميًا، وتمثل وحدها ثلث الانبعاثات الكربونية في كندا. ورغم أن كارني كان سابقًا من أشد المحذرين من مخاطر المناخ، فقد ألغى ضريبة الكربون على المستهلكين، وعلّق خطط دعم السيارات الكهربائية، وفتح الباب لخفض سقف الانبعاثات عن قطاع النفط إذا التزمت الشركات بنظم تسعير كربون أكثر صرامة.
شركات النفط رحّبت بالحكومة الجديدة، لكنها تطالب بسياسة مناخية أكثر وضوحا قبل ضخ استثمارات ضخمة، خصوصًا في مشروع “تحالف المسارات” الذي تبلغ قيمته 16.5 مليار دولار لالتقاط الكربون، والذي لا يزال متعثرًا بسبب الخلاف على تمويله.
ويبقى الملف الأكثر حساسية هو خطوط التصدير. فصناعة النفط تقول إنها لن تتحول إلى “قوة عظمى للطاقة” بلا خطوط جديدة، سواء نحو الساحل الغربي أو نحو الولايات المتحدة. ويجري الحديث حاليًا عن إمكانية إحياء مشروع “كيستون XL” نحو ساحل خليج المكسيك، الذي سبق أن ألغته إدارة بايدن. بعض المستثمرين يقترحون على كارني استخدام المشروع كورقة تفاوضية لرفع الرسوم الجمركية الأمريكية.

لكن أي توسع في خطوط الأنابيب يواجه مقاومة قوية من حكومة بريتش كولومبيا ومن جماعات السكان الأصليين، التي تؤكد أن حماية السواحل “أساس للازدهار، لا عائق أمامه”.
وتراقب الأسواق بحذر. فبعد تجاوز كلفة توسيع خط “ترانس ماونتن” إلى الساحل الغربي حاجز الـ34 مليار دولار، لا تبدو الحكومة راغبة في تمويل مشروع جديد، بينما تفضّل الشركات التركيز على توسيع خطوطها داخل الولايات المتحدة بدل بناء خطوط جديدة داخل كندا.
في النهاية، يبقى المشهد ضبابيًا: هل يحتاج العالم مزيدًا من النفط الكندي الثقيل عالي الانبعاثات؟ وهل يمكن لكندا أن توسّع إنتاجها دون أن تتحول – كما يحذر بعض الخبراء – إلى “مستعمرة نفطية” للاقتصاد الأمريكي؟
كارني يعتقد أن كندا قادرة على أن تكون مصدرًا رئيسيًا للطاقة النظيفة نسبيًا مقارنة بمنتجين آخرين. لكن الحقيقة على الأرض تشير إلى أن تحويل هذه الرؤية إلى واقع سياسي واقتصادي ما زال طريقه مليئًا بالمعارك.

إقرأ أيضا:
وزير التعليم يفاجئ 8 مدارس بكفر الشيخ: متابعة الانضباط… وتشجيع الطلاب على البرمجة والذكاء الاصطناعي



