صور جديدة تكشف استخدام إسرائيل للذخائر العنقودية في لبنان لأول مرة منذ 2006
تكشف صور حديثة التقطت في جنوب لبنان عن مؤشرات قوية على استخدام إسرائيل للذخائر العنقودية خلال حربها الأخيرة مع حزب الله، في أول دليل موثق على اللجوء إلى هذه الأسلحة المثيرة للجدل منذ حرب 2006. وقد فحص ستة خبراء في التسلّح الصور، مؤكدين أن البقايا التي عُثر عليها تتطابق مع نوعين مطوّرين حديثًا من الذخائر العنقودية الإسرائيلية. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ضوء السجل الدموي الطويل لهذه الذخائر في لبنان، حيث ما تزال القنيبلات غير المنفجرة من حرب 2006 تهدد حياة المدنيين يوميًا. وبينما يؤكد الجيش الإسرائيلي التزامه بالقانون الدولي وينفي استهداف المدنيين، يرى خبراء القانون الإنساني أن الذخائر العنقودية بطبيعتها غير تمييزية، ولا يمكن استخدامها بشكل قانوني في المناطق المأهولة. ومع استمرار التوترات في الجنوب رغم وقف إطلاق النار، يفتح هذا الكشف الباب لتساؤلات جديدة حول طبيعة الأسلحة المستخدمة وتأثيرها طويل الأمد على المدنيين ومستقبل الاستقرار في لبنان.
أدلة ميدانية من ثلاث مناطق جنوبية
تشير الصور التي حصل عليها “الغارديان” إلى وجود بقايا ذخائر عنقودية إسرائيلية في ثلاثة مواقع جنوب نهر الليطاني، تحديدًا في وادي زبقين، ووادي برغوز، ووادي دير سريان. وقد أكد ستة خبراء في الأسلحة أن البقايا تعود لنوعين من الذخائر العنقودية، أحدهما قذائف المدفعية الموجَّهة M999 Barak Eitan عيار 155 ملم، والآخر صواريخ Ra’am Eitan الموجهة عيار 227 ملم. وتعد هذه المرة الأولى التي يُثبت فيها وجود هذين النوعين في ساحة معركة، إذ دخلت الخدمة خلال السنوات الأخيرة في إطار تطوير تقنيات تقلل نسبة الذخائر غير المنفجرة. ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية خاصة لأنه يشير إلى أن إسرائيل وسّعت ترسانتها من الذخائر العنقودية رغم الجدل الدولي الواسع حولها، خصوصًا أن لبنان ما يزال يعاني من مخلفات الحرب السابقة. ويعزز هذا الدليل من المخاوف المتعلقة بآثار هذه الذخائر على المدنيين، وقد يعيد إشعال النقاش حول شرعية استخدامها في النزاعات المعاصرة.

الذخائر العنقودية وخطرها الممتد على المدنيين
تُعد الذخائر العنقودية من أكثر أنواع الأسلحة التي أثارت جدلًا دوليًا بسبب طبيعتها العشوائية، إذ تطلق عشرات القنيبلات الصغيرة التي تتناثر على مساحة واسعة تعادل عدة ملاعب كرة قدم. وتشكّل هذه القنيبلات خطرًا مضاعفًا لأنها غالبًا لا تنفجر عند الارتطام، فيما تصل نسب عدم الانفجار في بعض الأنواع إلى 40%، ما يجعلها قنابل موقوتة تهدد المدنيين لسنوات طويلة. ولا يزال لبنان مثالًا حيًا على هذا الواقع، إذ خلّفت حرب 2006 أكثر من مليون قنيبلة غير منفجرة، أسفرت عن مقتل أكثر من 400 مدني منذ ذلك الوقت. وعلى الرغم من انضمام 124 دولة إلى اتفاقية حظر الذخائر العنقودية، ترفض إسرائيل التوقيع عليها، بحجة أن أسلحتها «قانونية». لكن منظمات حقوق الإنسان تؤكد أن طبيعة هذه الذخائر تجعل من المستحيل استخدامها بطريقة تميّز بين المقاتلين والمدنيين، وهو ما يناقض مبادئ القانون الدولي الإنساني.

تطوير جديد… ووعود بفعالية أعلى
وفق مصادر إسرائيلية، طوّرت الصناعات الدفاعية الإسرائيلية الذخيرتين الجديدتين بهدف تقليل نسبة القنيبلات غير المنفجرة، حيث يُقدَّر معدل فشل صاروخ Ra’am Eitan بـ0.01% فقط، وهي نسبة مثالية نظريًا. إلا أن منظمات حقوقية وخبراء في التسليح يشككون في هذه الأرقام، مشيرين إلى أن النسب المعلنة عادة ما تكون أقل بكثير من الواقع. وبالفعل، سبق للصناعات العسكرية الإسرائيلية أن أعلنت أن نسبة فشل ذخيرة M85 المستخدمة عام 2006 لا تتجاوز 0.06%، فيما أثبتت التحليلات اللاحقة أن النسبة وصلت إلى نحو 10%. ويثير هذا التباين تساؤلات حول مدى واقعية الادعاءات الإسرائيلية بشأن تحسين الأمان وتقليل الخطر على المدنيين، خاصة مع تأكيد الخبراء أن طبيعة الذخائر العنقودية تجعل من المستحيل ضمان السيطرة على انتشار القنيبلات أو تحديد تأثيرها في مناطق سكنية أو زراعية مأهولة.
الآثار الإنسانية والسياسية في المشهد اللبناني
يأتي الكشف عن استخدام الذخائر العنقودية في لحظة دقيقة يمر بها لبنان، حيث ما يزال جنوب البلاد يعاني من تداعيات الحرب الأخيرة التي أودت بحياة آلاف المدنيين ودمرت البنية التحتية بشكل واسع. وتُشير التحليلات إلى أن وجود بقايا هذه الذخائر يشكّل تهديدًا طويل المدى، لا يقتصر على الإضرار بالمدنيين فحسب، بل يعوق جهود إعادة الإعمار ويزيد من صعوبة عمليات نزع الألغام، ما يخلق بيئة من عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي في المناطق الأكثر تضررًا. على المستوى السياسي، يعيد هذا الاكتشاف تسليط الضوء على جدل واسع حول شرعية استخدام الأسلحة غير المميّزة في النزاعات الحديثة، ويضع المجتمع الدولي أمام تحديات تطبيق قواعد القانون الإنساني الدولي في مناطق الصراع. كما أن استمرار تهديد الذخائر العنقودية يعكس فجوة بين القدرات العسكرية للدول وبين مسؤولياتها تجاه حماية المدنيين، ويؤكد الحاجة إلى مراجعة الاستراتيجيات العسكرية وإدخال آليات رقابة دولية أكثر صرامة، لضمان الحد من المخاطر الطويلة الأمد التي تهدد حياة المدنيين وتزعزع استقرار المنطقة. إن هذا الكشف لا يُبرز فقط بعدًا إنسانيًا، بل يُظهر أيضًا التداعيات الاستراتيجية والصراعات القانونية التي ترافق استخدام أسلحة عشوائية في النزاعات المعاصرة، ما يجعل لبنان نموذجًا حيويًا لفهم تأثير الأسلحة الحديثة على المجتمعات المحلية والسياسات الإقليمية.



