اختلال توازن القوة الناعمة الجديد: رد الصين الحذر على تراجع أمريكا
مع استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تفكيك قنوات القوة الناعمة الأمريكية التقليدية، تجد الصين نفسها في وضع فريد لكسب النفوذ، وإن لم تغتنم هذه الفرصة بالكامل. وقد أدى تراجع الولايات المتحدة عن الدبلوماسية العالمية، إلى جانب تراجع قوتها الناعمة، إلى خلق مساحة يمكن للصين من خلالها توسيع نفوذها، إلا أن نهج بكين لا يزال حذرًا وعمليًا.
تراجع القوة الناعمة الأمريكية
منذ بداية ولاية ترامب الثانية، شهدت الولايات المتحدة تخفيضات كبيرة في برامجها الدبلوماسية وبرامج المساعدات. فقد توقفت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عن العمل، وانشغلت إذاعة صوت أمريكا بمعارك تشريعية، وقلصت وزارة الخارجية عدد موظفيها وبرامجها. وقد دفعت هذه الإجراءات العديد من الخبراء إلى اعتبار تراجع النفوذ الأمريكي فرصة محتملة للصين، التي تستعد لملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، كما أشار عالم السياسة جوزيف ناي وآخرون. نهج الصين الاستراتيجي للقوة الناعمة
مع ذلك، يختلف نهج الصين في القوة الناعمة عن نهج الولايات المتحدة. فعلى عكس الولايات المتحدة، التي لطالما روجت لمُثُلها وقيمها، تُركز الصين على المنافع العملية، مثل التعاون الاقتصادي، والصفقات التجارية، ومشاريع البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا. وقد أكسبت هذه الاستراتيجية الصين شعبية متزايدة، لا سيما في الدول النامية، حيث تسعى العديد من الدول إلى شراكات عملية ذات منفعة متبادلة بدلاً من التوافق الأيديولوجي.
في حين أن تراجع الولايات المتحدة قد عزز جهود الصين لتوسيع قوتها الناعمة، إلا أنها لم تُزد مساعداتها الخارجية أو مساعداتها الإنمائية بشكل ملحوظ، واختارت بدلاً من ذلك تقديم قروض واستثمارات محدودة. على سبيل المثال، في قمة مايو/أيار مع دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، كان التزام الصين المالي أقل بكثير مما كان عليه في السنوات السابقة. وقد ينبع هذا الحذر من التحديات الاقتصادية المحلية والمخاوف بشأن تزايد أعباء الديون على دول مبادرة الحزام والطريق. الرسالة الأيديولوجية الصينية
على الرغم من الانفتاح الاستراتيجي الذي أحدثه الانسحاب الأمريكي، لم تتبنَّ الصين بشكل كامل دور الترويج لنموذج حوكمة بديل عالميًا. فبينما تُعارض الغرب، مُصوِّرةً نفسها كقوة عظمى مستقرة ومسؤولة، لا تُقدِّم الصين رؤيةً متماسكة أو بديلاً ملموسًا للنموذج الغربي للديمقراطية والحوكمة. تُركِّز الرسالة الصينية بشكل كبير على نقد الهيمنة الأمريكية وتعزيز التعددية القطبية، لكنها تقصر عن تقديم نظام عالمي واضح وطموح.
في بعض الحالات، انخرطت الصين في الترويج الأيديولوجي، وخاصةً في أفريقيا، مُقدِّمةً نموذجها التنموي كنهج شامل وغير إمبريالي للتحديث. ومع ذلك، غالبًا ما تفتقر هذه الرسالة إلى الوضوح والرؤية التي كانت الولايات المتحدة تُقدِّمها سابقًا، مما يترك الدول بتصورات متباينة حول نوايا الصين العالمية.

التوسع الحذر للقوة الناعمة الصينية
لا شك أن النفوذ الاقتصادي للصين قد توسَّع، لا سيما من خلال التجارة والاستثمار في مناطق مثل أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. ومع ذلك، فقد كانت هذه المكاسب مدفوعةً إلى حد كبير بالمصالح التجارية بدلاً من الاستراتيجيات الدبلوماسية التي تقودها الدول. وحتى مع استفادة الصين من تراجع الولايات المتحدة، فإنها لا تزال حذرة في نهجها، متجنبةً الإفراط في الالتزام بالمساعدات الخارجية والمبادرات الدولية.
وقد سمح هذا النهج المتزن للصين بتجنب التدقيق الذي قد يصاحب أجندة أيديولوجية أو تنموية أكثر صراحةً. ومن خلال التأكيد على نموذجها التنموي ومقارنته بالغرب، حققت الصين تقدماً، لكنها لم تُقدم نفسها بعد كقائد عالمي حقيقي في مجال القوة الناعمة.
مستقبل القوة الناعمة للصين
على الرغم من زيادة شعبية الصين، لا سيما في الدول النامية، إلا أن تصورات الصين لا تزال تعتمد بشكل كبير على المنطقة. ففي أفريقيا وأمريكا اللاتينية، يُنظر إلى العروض الاقتصادية الصينية بإيجابية إلى حد كبير، ولكن في آسيا وأوروبا، تطغى المخاوف بشأن طموحات الصين الأمنية على نفوذها الاقتصادي. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من شعبيتها المتزايدة كشريك اقتصادي، لا تزال الصين تواجه شكوكاً كبيرة بشأن طموحاتها القيادية العالمية على المدى الطويل. تُظهر استطلاعات الرأي العام، كتلك التي أجراها مركز بيو، أنه على الرغم من تحسن صورة الصين بشكل طفيف، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تحظى بآراء أكثر إيجابية عالميًا. ولا تزال القيادة الصينية تفتقر إلى ثقة واسعة النطاق، لا سيما فيما يتعلق بالحوكمة العالمية. وهذا يعكس التحدي الذي تواجهه بكين في تحويل نفوذها الاقتصادي إلى قيادة عالمية أوسع.
ختامًا، في حين اكتسبت الصين مزايا نسبية في القوة الناعمة مع تراجع الولايات المتحدة، إلا أن نهجها لا يزال حذرًا وعمليًا. إن التناقض بين نجاح الصين الاقتصادي ورسائلها الأيديولوجية المترددة يضعها في وضع فريد، حيث إنها ليست مستعدة بعد لتولي دور القيادة العالمية الذي كانت الولايات المتحدة تشغله سابقًا. في الوقت الحالي،



