واشنطن تحاكي سقوط مادورو: سيناريوهات صادمة لفوضى واسعة في فنزويلا
أظهرت محاكاة استراتيجية أجرتها الحكومة الأميركية خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب أن سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لن يقود إلى انتقال سياسي منظم، بل إلى موجة فوضى عارمة تمتد في مختلف أنحاء البلاد. وبحسب نتائج التمرين الذي شارك فيه مسؤولون من البنتاغون ووزارة الخارجية وخبراء أمنيون، فإن أي إسقاط للنظام—سواء عبر انتفاضة شعبية أو انشقاق عسكري أو تدخل خارجي—سيؤدي إلى تفكك السلطة المركزية وفقدان السيطرة على الجيش والشرطة، ما يفتح الباب أمام انهيار شامل للنظام الأمني. وتقدّر المحاكاة أن يؤدي الفراغ السياسي إلى موجة نهب واضطرابات، خصوصًا في المدن الكبرى التي تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية خانقة. وترى واشنطن أن الوضع الراهن في فنزويلا هش بما يكفي لتتحول أي شرارة سياسية كبرى إلى صراع متعدد الأطراف، وهو ما يجعل تكلفة تغيير النظام أعلى بكثير مما كان متوقعًا في السابق.
ضغوط أميركية متصاعدة بلا خطة واضحة لليوم التالي
في ولايته الثانية، عاد ترامب إلى نهج الضغط المكثف على مادورو، واصفًا إياه بأنه “خارج على القانون” وتهديد مباشر للمصالح الأميركية، تزامن ذلك مع نشر قوات وسفن حربية وطائرات قرب السواحل الفنزويلية، بالإضافة إلى ضربات متكررة للقوارب التي تقول واشنطن إنها مرتبطة بشبكات تهريب المخدرات. ورغم إصرار ترامب على أنه لا يستبعد خيار الغزو البري بذريعة وقف الاتجار غير المشروع، يحذر خبراء سياسيون من أن الولايات المتحدة تكرر أخطاء تاريخية، عبر التركيز على إسقاط النظام دون امتلاك تصور واضح لمرحلة ما بعد مادورو. ويستشهد هؤلاء بنماذج العراق وأفغانستان وليبيا، حيث أدى غياب التخطيط الاستراتيجي إلى انهيار مؤسسات الدولة وانتشار الفوضى المسلحة. وتنبّه تقارير بحثية إلى أن أي خطوة أميركية قد تفتح الباب لسيناريو يصعب التحكم بمساره، خصوصًا في بلد معقد جغرافيًا وسياسيًا مثل فنزويلا.
معارضة جاهزة على الورق… لكنها تصطدم بواقع أمني وسياسي معقّد
تزعم المعارضة الفنزويلية، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو—الحائزة على جائزة نوبل والمعترَف بها شعبيًا كرئيسة منتخبة بعد انتخابات 2024 المثيرة للجدل—أنها مستعدة لإدارة مرحلة انتقالية فور رحيل مادورو، وتؤكد أن لديها تفويضًا شعبيًا وخطة مفصلة لإعادة بناء مؤسسات الدولة. لكن تقارير بحثية، بينها تقرير لـ International Crisis Group، تشير إلى أن أي حكومة انتقالية ستواجه شبكة واسعة من المسؤولين والضباط الذين شكّلهم مادورو لسنوات، والذين قد يخشون الملاحقة القانونية، ما قد يدفعهم إلى مقاومة أي تغيير. كما تتوقع التقارير احتمال لجوء بعض الأجهزة الأمنية إلى التمرد أو العمل كفصائل مستقلة، ما يحول الانتقال المطلوب إلى نزاع منخفض الوتيرة بدلاً من تسليم سلس للسلطة. وتشير التحليلات إلى أن المعارضة، رغم قوتها الرمزية، ستجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا من توقعاتها النظرية.

صراع متعدد الأطراف: نحو حرب أهلية مصغرة؟
تتوقع لعبة الحرب الأميركية أن يتحول سقوط مادورو إلى صراع مفتوح بين أطراف عديدة تمتلك السلاح والخبرة القتالية. وتشمل هذه الأطراف وحدات من الجيش الفنزويلي المنقسمة في ولاءاتها، وفصائل سياسية داخل المعارضة نفسها قد تتنافس على النفوذ، إضافة إلى جماعات مسلحة محلية وميليشيات موالية للنظام. ويبرز في المشهد أيضًا مقاتلو جيش التحرير الوطني الكولومبي (ELN) الذين يتمركزون في المناطق الحدودية الوعرة، وتعهدوا بالدفاع عن نظام مادورو ومواجهة أي تدخل خارجي. هذا الخليط المتشابك يخلق بيئة مثالية لاندلاع صراع مسلح طويل الأمد، مع مخاطر حقيقية لغياب القانون في المدن الرئيسية وتوسع الفراغ الأمني في الأقاليم الحدودية. يخشى الخبراء أن يؤدي هذا الوضع إلى ما يشبه “حربًا أهلية مصغرة” تتداخل فيها الأجندات المحلية والإقليمية، وتزداد فيها صعوبة استعادة الاستقرار.
تهديدات الهجرة الجماعية: كابوس جديد لجوار فنزويلا
في ظل هذه السيناريوهات المتشائمة، تخشى دول الجوار من موجة لجوء جديدة قد تفوق قدراتها على الاستيعاب. فقد استقبلت كولومبيا والبرازيل في السنوات الماضية ملايين الفنزويليين الهاربين من الانهيار الاقتصادي والقمع السياسي، ويخشى الخبراء من أن يؤدي سقوط النظام دون ترتيبات انتقالية إلى أزمة إنسانية أكبر. وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن انهيار أجهزة الدولة وعجزها عن ضبط الحدود سيعقّدان الوضع بشكل غير مسبوق، ما قد يغرق دول الجوار بأعداد ضخمة من النازحين. ويؤكد محللون أن موجات الهجرة المحتملة لن تكون نتيجة الفقر فحسب، بل هروبًا من العنف المسلح والفوضى المتوقعة. وتشدّد تقارير إقليمية على أن تداعيات هذه الأزمة لن تبقى محصورة في فنزويلا، بل ستنعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في أمريكا اللاتينية خلال السنوات المقبلة.
حسابات واشنطن: تكلفة التدخل… ومقاربات من تجارب سابقة
تستند التقديرات الأميركية إلى تجارب تاريخية تكشف حجم التعقيد الذي قد تواجهه أي عملية عسكرية محتملة في فنزويلا. ففي هايتي عام 1994 احتاجت الولايات المتحدة إلى نحو 25 ألف جندي لإسقاط المجلس العسكري واستعادة الاستقرار النسبي، وفي بنما عام 1989 استلزمت الإطاحة بمانويل نورييغا—في بلد أصغر من فنزويلا بعشر مرات—نحو 27 ألف جندي. أما فنزويلا، التي تفوق هايتي حجمًا بثلاثة وثلاثين مرة، وتشكل تضاريسها تحديًا لوجستيًا، فإن أي تدخل فيها سيحتاج عشرات الآلاف من الجنود، وربما وجودًا طويلًا ومكلفًا لضمان عدم انهيار المؤسسات. ويرى خبراء أن هذه المعطيات تجعل واشنطن أكثر حذرًا، رغم خطاب ترامب التصعيدي، لأن تكلفة التدخل قد تكون أكبر بكثير من العائد السياسي المتوقع.
مأزق مادورو: البقاء محفوف بالمخاطر والرحيل أكثر خطورة
يرفض مادورو حتى الآن أي طرح يتعلق بمغادرة السلطة أو التفاوض على انتقال سياسي، خصوصًا في ظل تحقيق المحكمة الجنائية الدولية الذي قد يجعله مطلوبًا دوليًا. وتستشهد تحليلات محلية بسوابق تاريخية لزعماء غادروا منافيهم ليواجهوا الاغتيال، كما حدث مع أنستاسيو سوموزا عام 1980، ما يجعل خيار الرحيل محفوفًا بالمخاطر بالنسبة لمادورو ومحيطه. وتعتمد إدارة ترامب على فرضية أن الضغط العسكري والاقتصادي المتصاعد سيدفع الرئيس الفنزويلي إلى إعادة حساباته والبحث عن مخرج سياسي، لكن خبراء في كاراكاس يرون أن هذا الرهان قد يكون مبالغًا في تفاؤله. فغياب تصور واضح لليوم التالي، إلى جانب هشاشة البنية الأمنية والسياسية في البلاد، يجعلان أي سقوط مفاجئ للنظام أقرب إلى الفوضى منه إلى الاستقرار، ما يزيد من تعقيد المشهد ويطيل أمد الأزمة.



