الايكونوميست: لفهم مستقبل إندونيسيا… انظر إلى الطريقة التي يعيد بها رئيسها كتابة الماضي

مع حلول الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، اعتقد العالم أن قرض صندوق النقد الدولي سيُنقذ إندونيسيا سريعاً. فالنظام تحت حكم سوهارتو—الذي قاد البلاد منذ 1967—كان يعتمد على تكنوقراط موهوبين، ما أدى لعقود من النمو السريع.
لكن الأزمة كشفت المستور:
فسادٌ عميق، استغلالٌ ممنهج للدولة، وتهريبٌ منظم للثروات. ومع انهيار ثقة المستثمرين، عاد 36 مليون إندونيسي إلى الفقر، وانتهى عهد سوهارتو بالاحتجاجات وسقوطه.
هذا السقوط فتح باب مرحلة الإصلاح الديمقراطي (Reformasi)—العصر الأكثر حرية في تاريخ البلاد.
لذلك، يثير القلق أن يقوم الرئيس الحالي برابوو سوبياانتو، في 10 نوفمبر، بإدراج سوهارتو ضمن “أبطال الأمة”.
تكريم الخصم والضحية… معاً؟ سردية تُسطّح التاريخ
قرار برابوو لم يكن مفاجئاً تماماً:
هو أحد قادة قوات سوهارتو الخاصة
وكان متزوجاً من ابنة الدكتاتور
لكن ما أثار الجدل أنه كرّم في اليوم نفسه خصوم سوهارتو أيضاً:
الرئيس السابق عبد الرحمن وحيد (غوس دور)
والناشطة العمالية مارسيناه التي قُتلت بوحشية عام 1993
بهذه الخطوة، لا يعيد برابوو تلميع سوهارتو فقط… بل يمحو الفروق الأخلاقية بين من قاوموا الديكتاتورية ومن مكّنوها.
إعادة كتابة الماضي… لحماية الحاضر
لماذا يفعل ذلك؟ لأن تاريخ برابوو نفسه مليء بالانتهاكات:
اختفاء وتعذيب 9 طلاب في الأيام الأخيرة لحكم سوهارتو
13 ناشطاً آخرين اختفوا ولم يُعثر عليهم
اعترافه بالخطف… مع نفيه للقتل
وعروض مالية سرية (60 ألف دولار للعائلة) بدلاً من العدالة
أما الجرائم الأكبر، مثل مجازر 1965-1966 التي قُتل فيها مئات الآلاف، فلم يُحاسب عليها أحد. ورغم هذا، كرّم الرئيس أيضاً أحد قادة تلك المجازر: ساروو إدهي ويبوو.
ما الذي يعنيه كل هذا لمستقبل إندونيسيا؟
خطوات برابوو ليست مجرد “مصالحة وطنية”. إنها تشير إلى مشروع سياسي واسع:
إعادة النظام السياسي إلى نموذج شبيه بسوهارتو.
الرئيس يدعو إلى:
تحالف حكومي يشمل كل الأحزاب
إلغاء المحاسبة والمعارضة
إمكانية جعل هذا التحالف “دائماً”
هذا النموذج هو وصفة جاهزة لعودة دولة الحزب الواحد، حيث الجميع ممثل… لكن لا أحد يحاسب.
الخلاصة: المستقبل يُعاد تشكيله من خلال الماضي
إعادة الاعتبار لسوهارتو ليست مجرد احتفاء بشخصية تاريخية، بل جزء من رؤية جديدة—أو قديمة—للحكم:
تمجيد “القوة الصارمة”
طمس الحدود بين الجلاد والضحية
خلق سردية وطنية لا مكان فيها للمحاسبة
تمهيد لسلطة تنفيذية بلا معارضة حقيقية
خطوات برابوو تكشف مشروعاً سياسياً يهدف إلى استنساخ نظام سوهارتو أكثر من إصلاح الديمقراطية.



