أزمة الإقراض للمشاريع الصغيرة البريطانية… تحدٍ يعود إلى 17 عاماً ويقف أمام حكومة ريتشل ريفز

عندما أطلقت الحكومة البريطانية في 2011 مبادرة “بروجيكت ميرلين” لتعزيز إقراض البنوك للمشاريع الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، بدا أن الاسم المستوحى من السحر مناسب تماماً—فإصلاح العلاقة بين البنوك والقطاع التجاري أثبت أنه مهمة تتجاوز قدرات “البشر العاديين”.
بعد نحو عقدين من أزمة 2008، لا تزال بريطانيا تواجه مشكلة مستعصية: تراجع القروض الممنوحة لقطاع يمثل العمود الفقري للاقتصاد البريطاني.
بيانات الإقراض تكشف التراجع المستمر
تكشف أرقام بنك إنجلترا أن القروض الممنوحة للشركات الصغيرة لم ترتفع منذ 2011، بل تراجعت حتى قبل احتساب أثر التضخم. ورغم ظهور جهات تمويل غير مصرفية لملء جزء من الفجوة، إلا أنها لم تستطع تعويض الانكماش المستمر في الإقراض التقليدي.
مقارنة بـ 41 دولة تدرسها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تحتل بريطانيا مرتبة متدنية، إذ لا يتجاوز الإقراض للمشاريع الصغيرة نسبة ضئيلة من الناتج المحلي—وهو أداء ضعيف لبلد يوصف بأنه “أمة التجار”.
اقتصاد بلا قروض… إنتاجية ضعيفة ونمو محدود
يمثل قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة أكثر من نصف الوظائف ونسبة كبيرة من النمو الخاص، لكن عدم توفر القروض يجعل الشركات غير قادرة على التوسع أو الاستثمار. ونتيجة لذلك، عانت بريطانيا سنوات طويلة من ضعف الإنتاجية.
حتى إن خفض مكتب الميزانية توقعاته للإنتاجية أضاف 20 مليار جنيه إسترليني إلى الفجوة المالية المستقبلية في البلاد.
الخلاف حول أسباب الأزمة… بين البنوك والشركات
البنوك ترى أن التنظيم المفرط هو العقبة الأساسية، إذ تتطلب القروض للمشاريع الصغيرة رساميل أكبر لتغطية المخاطر. هذا يدفع البنوك للتركيز على القروض العقارية الأكثر ربحية وأقل مخاطرة.
بالمقابل، تكشف التحولات الداخلية للبنوك—مثل تقليص الفروع وإلغاء مديرو العلاقات المحليين—عن أسباب أخرى تجعل تقييم الطلبات الصغيرة أكثر تعقيداً، وتقلل من رغبة البنوك في الإقراض.
لكن المشكلة ليست في البنوك وحدها. فالمؤسسات الصغيرة نفسها أصبحت أكثر حذراً وخوفاً من الاقتراض منذ أزمة 2008.
ففي حين تظهر بيانات بنك إنجلترا أن رغبة البنوك في الإقراض تتحسن منذ 2023، فإن استطلاعات الاتحاد الفدرالي للمشاريع الصغيرة تشير إلى تشاؤم واسع واعتقاد بأن الحصول على القروض “صعب” أو “غير مجدٍ”.
رفض متكرر… وفقدان الثقة
في عام 2007، لم تتجاوز نسبة رفض طلبات القروض 4%.
في العام الماضي أصبحت أكثر من 40%.
وبعد سنوات من الرفض، أصبحت الشركات تفترض أن المصارف سترفضها مجدداً—حتى عندما تكون هناك جهات تمويل بديلة قد توافق.
وشوّهت سمعة البنوك فضائح مثل احتيال HBOS في 2017، وانتهاكات RBS لآلاف الشركات، ما عمّق فجوة الثقة.
ما الذي قد يدفع الإقراض للارتفاع؟
يرى بعض الخبراء أن الاستقرار السياسي والاقتصادي قد يعيد بعض الثقة، خاصة بعد سنوات من الاضطرابات: بريكست، الجائحة، والحرب في أوكرانيا. لكن ذلك وحده غير كافٍ.
ثلاثة مسارات قد تساعد:
1. التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين تقييم المخاطر وتسريع الموافقات، وتعزيز التواصل مع العملاء.
لكن التقدم قد يكون بطيئاً بسبب نقص البيانات الناتج عن سنوات الإقراض الضعيف.
2. زيادة الدعم الحكومي
دول أخرى—مثل الولايات المتحدة—تقدم ضمانات حكومية سخية للقروض.
فبرنامج SBA الأمريكي يضخ 56 مليار دولار سنوياً، بينما لا يمثل برنامج “ضمان النمو” البريطاني سوى 0.05% من الناتج المحلي—معظم الشركات لم تسمع به أصلاً.
تعزيز الضمانات يمكن أن يساعد الشركات التي تعتمد على الأصول غير الملموسة مثل الملكية الفكرية.
3. تغيير الثقافة الاقتصادية
حتى أفضل القوانين والبرامج لن تنجح إذا لم يقتنع أصحاب الأعمال بأن الاقتراض يستحق المخاطرة.
بنك إنجلترا أشار إلى أن تحسين المهارات المالية والإدارية ضروري، لكن الأهم هو معالجة التشاؤم العام تجاه مستقبل الاقتصاد.
اختبار لرشيل ريفز… اقتصادياً ونفسياً
مع اقتراب موعد الميزانية الجديدة، تواجه المستشارة ريتشل ريفز اختباراً مزدوجاً:
سد العجز المالي، وسد العجز النفسي في ثقة أصحاب الشركات.
فالقطاع يطالب قبل أي شيء بـ الاستقرار. وإذا تمكنت ريفز من إعادة إحياء الإقراض لهذا القطاع بعد فشل حكومات متعاقبة، فقد يشكل ذلك نقطة تحول كبيرة لمستقبل الاقتصاد البريطاني.

إقرأ أيضا:
بركان إثيوبي يثور لأول مرة منذ 12 ألف عام سحب رماد هائلة تعبر البحر الأحمر باتجاه اليمن وعُمان




