شِعْرٌ عالِي المَقَامِ.
عَوَى فاسْتَأنَسْتُ بالذِّئبِ إذْ عَوَى
وتكلَّمَ إنْسَانٌ فكِدْتُ أُجَنُّ
لقائلهِ بِتَصَرُّفٍ.
يَكمُنُ المعنَى هُنا في أنَّهُ، قد تكونُ بعضُ النُّفوسِ، أثقلُ على النَّفْسِ وأَخْوَفُ، مِنْ أصْواتِ الذِّئابِ، التي هيَ: رَمْزٌ للخَوفِ والهَلاكِ.
*****
ومن الغَزلِ السَّلِسِ اللَّطيفِ، قولُ (أبي العلاءِ) مِنْ ديوانِهِ الفريدِ: (لُزُومُ ما لا يَلْزَمُ).
الذي تَعْلَمُ مِن عنوانِهُ وتَسْتَشِفُّ، أنَّ أبَا العَلاءِ قدْ أَلزَمَ وأوجبَ على نفسهِ، شيئًا ليس مُلْزَمٌ مِنها، وليسَ واجبٌ عليها ،في كتابتِهِ لشعرهِ، وهو أنَّهُ وَضَعَ حَرْفَي رَوِيٍّ يَلتزمُ بهما، في آخر البيت (القافية) وليس حَرْفًا واحدًا.
يَقولونَ
في البُستانِ للعينِ لذةٌ
وفي الخمر
والماءِ الذي غيرُ آسِنِ
إذا شِئْتَ
أنْ تَلْقَى المحاسِنَ كلَّها
ففي وَجْهِ مَن تَهْوَى
جميعُ المَحَاسِنِ
فالنّْونُ، في آخرِ لفظتينِ في البيتينِ، كافيةٌ لما هو واجبٌ ومفروضٌ.
لكنَّهُ وَضَعَ السينَ زيادةً قبل النُّونِ، وألزم نفسَهُ بذلكَ، في كل أبياتِ الديوان؛ ليُخرجَ ديوانًا ليس منظوما فحسب، بل وأيضًا مُمْتلئٌ بالإحساسِ والشاعريةِ.
*****
ثم نتوقفُ هنا قليلا، مع بعضِ الأبياتِ، مِن رائعة (أبي الطيب المتنبي) التي يَذكرُ فيها الحربَ، وهو مِمن فعلَ ذلكَ، وأخرجَ مِنَ القصائدِ فيها، ما لم يُخرجْهُ أحدٌ مِن الشعراءِ، لا قبلَهُ ولا بعدَهُ، ثم يَمدحُ فيها (سيف الدولة) (عَلِىٌّ) ثم كعادته يمدح نفسه، من خلال مديحه لشعره، وذلك من خلا قصيدتَهُ التي مطلعُها كما سيأتي آنِفًا، والتي اخترتُ منها بعض الأبياتِ فقط.
“لياليَّ بعدَ الراحلينَ شُكولُ طُوالٌ وليلُ العاشقينَ طويلُ”
شُكولُ أي متشابهات، وطُوالٌ كِنايةٌ عن أن الوقت، لا يمرُّ، ثم أدرك البيت في آخرهِ بِختامٍ رفيع المستوَى، حيث أفادَ كلَّ ما يريدُ أنٌ يقولَهُ ويبوحُ بهِ، فقال:
“وليلُ العاشقينَ طويلُ”
وهذا آخر ما عليَّ، أمَامَ أبياتِ المتنبي؛ لذا سأتصرَّفُ النَّذْرَ اليسيرَ فيها، كى أوضِّحَ المعنَى، ثم سيتولَى (أبو الطَّيبِ) باقى المهمةِ كلِّها.
“فَلَمّا رَأوْهُ وَحْدَهُ قَبْلَ جَيْشِهِ
دَرَوْا أنّ كلَّ العالَمِينَ فُضُولُ
وَفي كُلِّ نَفْسٍ ما خَلاهُ مَلالَةٌ
وَفي كُلِّ سَيفٍ ما خَلاهُ فُلُولُ
أغَرّكُمُ طولُ الجُيوشِ وَعَرْضُهَا
عَليٌّ شَرُوبٌ للجُيُوشِ أكُولُ
إذا لم تَكُنْ للّيْثِ إلاّ فَريسَةً
أُكِلْتَ وَلم يَنْفَعْكَ أنّكَ فِيلُ
فَدَتْكَ مُلُوكٌ لم تُسَمَّ مَوَاضِياً
فإنّكَ ماضي الشَّفرتينِ صَقيلُ
أنَا السّابِقُ الهادي إلى ما أقُولُهُ
إذِا القَوْلُ قَبْلَ القائِلِينَ مَقُولُ
وَما لكَلامِ النّاسِ فيمَا يُريبُني
أُصُولٌ ولا للقائِلينَ أصولُ
أُعَادَى على ما يُوجِبُ الحبَّ للفتَى
وأهْدأُ والأفكارُ فِيَّ تَجولُ
وَإنّا لَنَلْقَى الحادِثاتِ بأنْفُسٍ
كَثيرُ الرّزايا عِنْدَهُنَّ قَليلُ
يَهُونُ عَلَيْنَا أنْ تُصابَ جُسُومُنَا




ممتاز يا أستاذ محمود تحليل رائع وتصرف بالغ الروعة أدام الله إبداعك
شكرا لحضرتك