مُتْعة في مُتْعةٌ
(مُتْعة في مُتْعةٌ)
قد يكونُ غرضُ القصيدةِ غزلا صريحا لغرضٍ مُعيَّنٍ،
لكن إن أنتَ، أمعنتَ النظرَ فيهِ، تراهُ ليِّنا وطيِّعًا، بحيثُ تجعلُ المحبوبَ فيه أي شخصٍ، أو حتى رَمْزا، أو تَصلَ لأبعدَ مِن ذلكَ، إلى المَحبوبِ الأَوْلَى والأَوَّلِ،
وهو سبحانَهُ وتَعالَى.
بشرطِ رِفْعَةِ المعانِي وسُمُوِّها، كما سنرَى،
في تلك الأبياتِ الساحرة، لسلطانِ العاشقينَ.
(عمر بن الفارضِ)
قلْبِي يُحَدِّثُني بأَنّكَ مُتْلِفِي
رُوحي فِداكَ عَرَفْتَ أمَ لم تَعْرِفِ
أنا ما لي سِوَى روحي وباذِلُ رُوحَهُ
في حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِفِ
فلَئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسعَفْتَني
يا خَيبَة المَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ
***
مَقْرُؤَةً ومفهومةً بِذاتِها.
ثم يقولُ:
يا مانِعي طِيبَ المَنامِ ومانِحي
ثوبَ السّقامِ بِهِ ووَجْدِيَ المُتْلِفِ
يا من أعطيني ثوبَ المرض، وأخذتَ مني حلو النوم ومتعته؛ بأني أصبحتُ لا أنامُ، وهي صورةٌ فيها كنايةٌ عن التعبِ والأسَى.
ثم يقولُ:
وبما جَرَى في موقفِ التوديعِ مِنْ
ألمِ النّوَى شاهدتُ هَوْلَ الموقفِ
(النَّوَى) هو البعدُ.
ثم يقولُ:
إن لم يكنْ وْصلٌ لدَيْكَ فعِدْ بهِ
أَمَلي وَمَاطِلْ إنْ وَعَدْتَ ولا تفِي
(فَعِد بهِ أملِي) أي اوعِدْني به حتَّى.
ثم يختمُ البيتَ (ومَاطِل إنْ وعدتَ ولا تفِي) أي أنَّني يكفيني منكَ الوعدُ فقط بالوصالِ، حتى وإن لم تفِي بهِ.
ثم يختمُ الثُّنائِيَّةَ، (والثُّنائيَّةُ مصطلحٌ أدبيٌّ: يُطلق على البيتينِ الذي ارتبط معناهما ببعضٍ).
فالمَطْلُ منكَ لدَيّ إنْ عزّ الوفا
يَحلو كوَصَلٍ من حبيبٍ مُسْعِفِ
***
ثم يقولُ:
أهْفُو لأنفاسِ النّسِيمِ تَعِلّةً
ولوَجْه مَن نقَلَتْ شَذَاهُ تشوّفي
(تَعِلَّةً) أي استشفاءً، والشذا هي الرائحةُ.
ثم يقول:
فلَعَلّ نارَ جوانحي بهُبُوبِها
أن تنطَفي وأوَدّ أن لا تنطَفي
فلعل نار شوقي، بهبوب هذه الرائحةِ أن تنطفي،
على أنني لا أود ذلك؛ لما أراه مِن متعةٍ معها،
ثم يَتَرجَّى فيقولُ:
عُودوا لِما كُنْتُم عليه من الوفا
كَرَما فإنّي ذَلِكَ الخِلُّ الوَفي
ثم يُقْسِمُ: وحياتِكُمْ وحياتِكُمْ قَسَما وفي
عُمري بغيرِ حياتِكُمْ لم أحْلِفِ
لو أَنّ رُوحي في يدي وَوَهَبْتُها
لمُبَشّري بِقُدُومكمْ لم أُنْصِف
ثم يقول:
ولقد أَقولُ لِمَنْ تحَرّشَ بالهوى
عرّضْتَ نفسَكَ للبَلا فاستهدفِ
أي أنني وددتُ أن أقولَ لكل مَن تَعرَّضَ للغرام: حاذِرْ فهوَ اختبارٌ صعبٌ وشديدٌ.
ثم يختِمُ ثُنائيتهُ تلك بقوله:
أنتَ القتيلُ بأيِّ مَن أحببتَهُ
فاخترْ لنفسِكَ في الهوَى مَن تَصْطَفِي
أيْ اخترْ لنفسِك مَن يَستحقُّ هواكَ وشغفكَ بهِ.
***
لَوْ قالَ تِيهاً قِفْ على جَمْر الغَضا
لَوَقَفْتُ مُمْتَثِلاً ولم أتوَقّف
(تِيهًا) أيْ وهو مغرورٌ في طلبهِ، و(جَمُر الغضا) الجمر المتَّقِدُّ.
أوْ كان مَنْ يَرضَى بخدِّي موْطِئاً
لَوَضَعْتُهُ أرْضاً ولم أستنكِف
(مَوْطِئًا) أي مكانا يضعُ حبيبَهُ قَدَمهِ عليهِ، و(أَسْتَنْكِفِ) أي أشعر بالحَرجِ خوفًا على كرامتي.
***
ثم يقولُ
لو أسمَعوا يَعقُوبَ ذِكْرَ مَلاحَةٍ
في وجهِهِ نَسِيَ الجَمالَ اليوسُفي
سيدنا يعقوبُ النبي عليه السلام.
أو لو رآهُ عائِداً أيّوبُ في
سِنَةِ الكَرَى قدماً من البلوى شُفي
ولو عاد حبيبي وزار سيدنَا أيوبَ النبي عليه السلام؛
لبَرِأَ من مَرَضِهِ.
والبيتين فيهما مبالغةٌ شديدةٌ، لكن طالما استُخدمتْ لإخراجِ الصورةِ جيِّدةً، ولِتُوصِّلَ المعنى، فلا ضير منها.
وهناك مقولةٌ بلاغيةٌ تقولُ: (أصْدَقُ الشِّعرِ أكذبُهُ).
ثم يقول في آخر ما اخترتُهُ لكَ يا صديقي الحبيبِ:
كَمَلَتْ مَحاسنُهُ فلو أَهدى السّنا
للبَدْرِ عند تَمامِهِ لم يُخْسَف
(السَّنا) أي النُّور. أي لو أنَّ مَن أُحبُّ مِن فَرْطِ نورِهِ؛ أعطَى البدرَ نورَه بعد تمامِهِ، في مرحلة اختفائهِ واضمِحْلالِهِ، لم يكن ليَخْتَفِي.
وعلى تَفَنّنِ واصِفيهِ بِحُسْنِهِ
يَفنى الزّمانُ وفيه ما لم يُوصف
بعدما عَلِمَ الشّاعر، أنه تَفَنَّنَ وأبدعَ واخترعَ أبياتا ذات صُورٍ جديدةٍ، ومعانيَ خلَّابةٍ قال: رغم ذلك يَفنَى كلُّ شئٍ ويبقى بحبيبي ما لم يستطعِ الشعراءُ أن يصفوهُ.
***



