واشنطن تفكّ القيود المصرفية: هل يبدأ سباق عالمي جديد في التنظيم المالي؟

تشهد الولايات المتحدة تحولًا تنظيميًا واسعًا يعيد إلى الواجهة النقاشات القديمة حول حدود الرقابة المصرفية ودورها في حماية الاستقرار المالي العالمي. فمع إعلان واشنطن عن أكبر عملية تفكيك للقيود المفروضة على البنوك منذ أزمة 2008، تتجه الأنظار إلى المنظومة المالية الدولية لتقدير حجم الارتدادات المتوقعة لهذا القرار. ويبرز اسم ميشيل بومان، نائبة رئيس الاحتياطي الفيدرالي للإشراف، كمهندسة لهذا التحول الذي ترى فيه وول ستريت خطوة تعزز النمو وتعيد الحيوية إلى الإقراض والاستثمار. ورغم أن المدافعين عن هذا الاتجاه يعتبرونه تحريرًا ضروريًا يعالج “القيود الخانقة” للقطاع المصرفي، يحذّر آخرون من أنه قد يشكل الشرارة الأولى لأزمة مالية جديدة. وبين حماس الولايات المتحدة لهذا التحول، وتردد أوروبا، وتوازن بريطانيا، يبدو العالم أمام لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل قواعد اللعبة المالية لعقود مقبلة.

إصلاحات واشنطن… عودة إلى ما قبل 2008
تسعى واشنطن إلى تخفيف مجموعة واسعة من القواعد الرقابية التي فُرضت عقب الأزمة المالية العالمية، في خطوة تُعد الأكثر جرأة منذ خمسة عشر عامًا. وتشمل الإجراءات الجديدة خفض نسب رأس المال الإلزامية، وتقليل تشدد اختبارات التحمل، وإعادة صياغة معايير “بازل 3” بطريقة أقل صرامة من المقترح الأصلي، إضافة إلى خفض متطلبات الرافعة المالية المفروضة على البنوك الكبرى. ووفق تقديرات مصرفية أمريكية، قد يؤدي هذا الاتجاه إلى تحرير طاقة إقراض تتجاوز 2.6 تريليون دولار، مما يعزز القدرة التنافسية للبنوك الأمريكية في الأسواق العالمية ويرفع ربحيتها بشكل لافت. وفي وول ستريت، تُصوَّر ميشيل بومان على أنها صاحبة “التحول المنقذ” للقطاع من ضوابط لطالما اعتُبرت عبئًا ثقيلًا منذ أزمة 2008. ومع هذا الزخم، تتنامى التساؤلات بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة تعود إلى حقبة ما قبل الأزمة، أم تمهّد لمرحلة أكثر تعقيدًا من التقلب المالي.

قلق عالمي من موجة تخفيف تنظيمي محتملة
أثار القرار الأمريكي موجة واسعة من القلق داخل العواصم المالية في أوروبا وبريطانيا، حيث تخشى المؤسسات المصرفية من أن يؤدي الانفتاح الأمريكي الجديد إلى خلل في توازن المنافسة العالمية. ويشير مصرفيون أوروبيون إلى أن واشنطن قد تستقطب مزيدًا من رؤوس الأموال نتيجة تخفيف المتطلبات الرقابية وخفض تكاليف الامتثال، ما يمنح البنوك الأمريكية الأفضلية في جذب المستثمرين وتمويل الأنشطة التوسعية. هذا التباين في القواعد قد يجبر أوروبا وبريطانيا على مراجعة سياساتهما التنظيمية، ليس رغبة في التخفيف بقدر ما هو محاولة لحماية القدرة التنافسية أمام بنوك وول ستريت. ويذهب مسؤول مصرفي أوروبي إلى التحذير بالقول: “هذه أخبار سيئة للغاية… سنفقد حصتنا لصالح أمريكا إذا لم نتحرك”. ومع تصاعد الضغوط، تبدو الساحة المالية العالمية أمام احتمال نشوء سباق جديد نحو المرونة التنظيمية، بما يحمله ذلك من مخاطر وفرص في آن واحد.

أوروبا حذرة… وبريطانيا تبحث عن توازن دقيق
تتعامل أوروبا مع التحرك الأمريكي بقدر كبير من التحفظ، إذ يشدد البنك المركزي الأوروبي على أن قوة رأس المال هي خط الدفاع الأول خلال الأزمات، مؤكدًا أن التوجه السائد في القارة لن يشمل تخفيفًا جذريًا للضوابط. وقد تكتفي أوروبا بخطوات محدودة تتعلق بتبسيط الإجراءات، من دون المساس بالنظام الرقابي الذي شُيّد بعد 2008 لضمان صلابة البنوك. في المقابل، تبدو بريطانيا أكثر استعدادًا للسير في طريق وسط؛ فبعد البريكست، تسعى لندن لتقوية قدرتها على جذب الاستثمارات، ما يدفعها إلى تبني مقاربات أكثر مرونة تشمل تخفيفًا نسبيًا لمتطلبات الرافعة المالية وتقليل عبء اختبارات التحمل. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن بريطانيا لن تصل إلى حدود التوجه الأمريكي، مفضّلة الحفاظ على توازن بين دعم النمو الاقتصادي وصون الاستقرار المالي، وهي معادلة معقدة تفرضها طبيعة النظام المالي البريطاني بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.
مخاطر تلوح في الأفق مع ارتفاع شهية البنوك للمخاطر
يحذر خبراء ماليون من أن التوجه الأمريكي قد يعيد دورة المخاطر التي سبقت أزمة 2008، حيث أدّى التخفيف المبالغ فيه آنذاك إلى توسع الائتمان وتراكم المشتقات المالية المعقدة. ومع خفض مستويات رأس المال اليوم، يخشى محللون من أن تنجرف البنوك الأمريكية نحو زيادة الإقراض عالي المخاطر، خاصة في قطاعات العقارات التجارية والتمويل الصناعي، وهي مجالات تواجه ضغوطًا متزايدة. كما قد يؤدي تراجع صلابة القاعدة الرأسمالية إلى تقليل قدرة البنوك على امتصاص الصدمات في حال حدوث اضطرابات اقتصادية. ويذهب بعض الخبراء إلى التحذير من “سيناريو أزمة متجددة” إذا اجتمعت هذه العوامل مع بيئة عالمية متقلبة وارتفاع مستويات الديون. ويؤكد اقتصاديون أن تقليص الرقابة المصرفية قد يشكّل حلقة جديدة من حلقات “التخفيف ثم الانهيار” التي ميزت الأزمات المالية السابقة، مع احتمال انتقال العدوى إلى الأسواق العالمية.

سباق النفوذ المالي… من يكسب ومن يخسر؟
تبدو البنوك الأمريكية المستفيد الأكبر من التحول التنظيمي الجديد، إذ تشير التقديرات إلى ارتفاع محتمل في عوائد الأسهم بنسبة تصل إلى 6%، إلى جانب تحرير أكثر من 140 مليار دولار من القيود الرقابية، ما يمنحها قدرة أعلى على التوسع والاندماج. وفي بريطانيا، يُتوقع أن تستفيد البنوك من تخفيضات تصل إلى 8% في متطلبات رأس المال، ما يعزز مرونتها في تمويل الأنشطة. أما أوروبا، فتبدو الأكثر تضررًا، إذ ستواجه ارتفاعًا طفيفًا في المتطلبات قد يصل إلى 1%، مقابل منافسة أمريكية شرسة تعتمد على قواعد أكثر مرونة ونظام مالي أكثر قدرة على جذب الاستثمارات. ومع اختلال هذا التوازن، يزداد الضغط على العواصم الأوروبية لإعادة صياغة سياساتها، أو المخاطرة بخسارة جزء من نفوذها في أسواق المال الدولية.
سباق غير محسوم نحو مستقبل مالي مضطرب
تُظهر التحركات الأمريكية بداية فصل جديد في جدل عالمي حول حدود الرقابة المصرفية ودورها في حماية الاستقرار الاقتصادي. وبينما ترى واشنطن أن تخفيف القيود هو مفتاح تعزيز النمو ورفع القدرة التنافسية، تخشى أوروبا من أن يؤدي هذا النهج إلى إضعاف بنية النظام المالي العالمي وعودة المخاطر النظامية إلى الواجهة. أما بريطانيا، فتقف في منطقة وسط بين السعي وراء المرونة والحفاظ على قواعد الحذر. وفي ظل تزايد التنافس بين المراكز المالية الكبرى، قد يتجه العالم نحو مرحلة تنظيمية غير متجانسة، تُفضّل فيها بعض الدول النمو السريع بينما تحرص أخرى على الاستقرار طويل المدى. والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه التحولات تمهّد لعصر جديد من الانتعاش المالي، أم أنها مقدمة لأزمة تلوح في الأفق بفعل اتساع شهية المخاطر وتراجع أدوات الحماية الرقابية.



