البرازيل تقدم درساً في الفوز بـ”حرب التاكو” الجيوسياسية

في أغسطس الماضي، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية ضخمة على الواردات البرازيلية، في خطوة وصفها بأنها رد على حملة القضاء البرازيلي ضد الرئيس السابق جايير بولسونارو، وعلى سياسات برازيليا تجاه شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى. إلا أن الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا اختار المواجهة لا الانصياع، مدافعاً عن استقلال القضاء، وما لبث أن أصبح القرار ورقة لتعزيز شعبيته داخلياً. تزامن ذلك مع تصعيد قضائي انتهى بإيداع بولسونارو السجن. وفي تحول دراماتيكي، تراجع ترامب الأسبوع الماضي عن الرسوم، معلناً استثناء واردات زراعية عدة من القرار. هذا التراجع السريع شكل درساً سياسياً واقتصادياً يعكس طبيعة “التكتيك فوق الاستراتيجية” في إدارة ترامب، وما يعنيه ذلك للدول التي تسعى لتحصين مصالحها أمام الضغوط الأمريكية.
ضغوط التضخم الأمريكي وإعادة الحسابات
أول الدروس المستفادة لبقية العالم أن البيت الأبيض أصبح شديد الحساسية لتكاليف المعيشة. فقد شهدت مؤشرات ثقة المستهلك الأمريكي تراجعاً بالتوازي مع انخفاض شعبية ترامب، ما دفع إدارته للبحث المحموم عن أدوات لخفض أسعار الغذاء. إلغاء الرسوم على الواردات البرازيلية جاء في هذا السياق، مما يعكس كيف يمكن للعوامل الاقتصادية الداخلية أن تعيد تشكيل السياسة التجارية الخارجية بسرعة.
المواجهة قد تهزم الترهيب السياسي
التجربة البرازيلية تثبت أن الرد بقوة على الضغوط الأمريكية قد يكون أكثر فعالية من الاستجابة للخوف أو التودد. الصين كانت أبرز مثال، إذ نجحت في انتزاع مكاسب سياسية واقتصادية عبر خطاب صلب. واليوم، يبدو أن دولاً مثل البرازيل تتعلم من التجربة الصينية، وتبرهن أن القوة في التفاوض يمكن أن تكون وسيلة ناجعة حتى مع إدارة تعتمد أسلوب الترهيب الدبلوماسي.
فهم البيت الأبيض: أهداف، استراتيجيات وتكتيكات
تحليل سلوك ترامب يصبح أكثر وضوحاً إذا تمت قراءته عبر ثلاث طبقات:
أهدافه ليست برامج سياسية مفصلة، بل غرائز متصلة بمفهوم تفوق أمريكا وحلفائها المقربين.
استراتيجياته تُصاغ من قبل مستشارين يترجمون تلك الغرائز إلى أدوات جيوسياسية، غالباً على حساب مبادئ العولمة والتعاون الدولي.
أما تكتيكاته، وهي الأكثر ضجيجاً، فتتشكل من التهديدات، المفاجآت، والمساومات السريعة، التي تُستخدم لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد أو خلق نفوذ تفاوضي.
هذه التكتيكات غالباً ما تكون قابلة للتراجع السريع، ما يفسر التغييرات المفاجئة في سياسات ترامب تجاه البرازيل، النرويج، أو حتى روسيا وأوكرانيا.
الخلاصة: دروس أوروبية وعالمية من “انتصار لولا”
قصة البرازيل تذكّر العالم بأن القوة الأمريكية ليست مطلقة، وأن أي دولة يمكن أن تحصد مكاسب إذا قرأت بدقة الفجوة بين خطاب ترامب وغاياته الفعلية. الأهم أن على الحكومات أن تميز بين “الضوضاء” التي تولدها تكتيكات البيت الأبيض وبين الإشارات الحقيقية التي تعكس أولويات واشنطن. وفي نهاية المطاف، تُظهر هذه الواقعة أن مواجهة سياسات الابتزاز ليست فقط ممكنة، بل قد تكون الخيار الأكثر فعالية.



