ضغط دبلوماسي متصاعد على كييف قبل محادثات واشنطن وموسكو
تتزايد المخاوف الأوروبية من أن يؤدي التقارب الدبلوماسي بين واشنطن وموسكو إلى خلق تسوية سياسية تُفرض على أوكرانيا من خارج إرادتها، وذلك مع اقتراب الاجتماع المحتمل بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف. وتؤكد كايا كالاس، الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أن أي تحرك ثنائي لا يأخذ في الاعتبار صوت كييف قد يُفضي إلى نتائج تُغيّر مسار الحرب لصالح موسكو، خصوصًا في ظل وجود مقترحات أميركية سابقة اعتبرتها العواصم الأوروبية منحازة للكرملين. وتخشى دول الاتحاد أن تُقدّم الولايات المتحدة تنازلات تكتيكية لتسريع إنهاء الحرب، بينما تصر كييف على سلام يضمن سيادتها الكاملة. ويشير محللون إلى أن القلق الأوروبي ينبع من إدراك أن أمن القارة بات مرتبطًا بشكل وثيق بمستقبل أوكرانيا، وأن أي تسوية غير متوازنة قد تعيد رسم حدود النفوذ في أوروبا الشرقية بطريقة تهدد الاستقرار لعقود.
خطة أميركية تُعيد إشعال الجدل الأوروبي
أثارت الخطة الأميركية الأولية لإنهاء الحرب في أوكرانيا موجة واسعة من الجدل داخل الاتحاد الأوروبي، إذ رأى العديد من القادة الأوروبيين أن البنود التي طُرحت تمنح روسيا مكاسب ميدانية وسياسية لا تستحقها. فقد تضمنت الخطة مقترحًا بمنح موسكو أراضي في الشرق الأوكراني لا تسيطر عليها بعد، إضافة إلى تقييد حجم الجيش الأوكراني ووقف مساعي كييف للانضمام إلى الناتو، وهو ما اعتبرته أوروبا مسارًا خطيرًا يُهدد الأمن الإقليمي. ورغم تعديل واشنطن لبعض بنود الخطة لاحقًا، فإن الشكوك لا تزال قائمة بشأن نواياها الحقيقية في جولة التفاوض المقبلة، خاصة مع رغبتها في تخفيض تكلفة الدعم العسكري والاقتصادي طويل الأمد. ويرى محللون أن أوروبا باتت تدرك أن أي تنازلات تُمنح لروسيا اليوم قد تتحول إلى سابقة تاريخية تشجع الكرملين على مواصلة سياسة تغيير الحدود بالقوة، وهو ما قد يفتح جبهة جديدة من التوترات في القارة.
زيلينسكي يحشد الدعم الأوروبي قبل المفاوضات
في ظل هذه التحركات، يسعى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى تعزيز الموقف التفاوضي لبلاده عبر حشد أكبر قدر من الدعم الأوروبي. وخلال مؤتمر صحفي مشترك في باريس، أكد زيلينسكي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن أوكرانيا لن تقبل بأي اتفاق يُقرأ كمكافأة لروسيا على حربها، مشددًا على أن السلام يجب أن يكون دائمًا وعادلاً. ولتحقيق هذا الهدف، أجرى زيلينسكي سلسلة اتصالات مع أكثر من 12 قائدًا أوروبيًا، بهدف توحيد المواقف قبل بدء جولة المفاوضات المقبلة. ويشير مراقبون إلى أن هذه التحركات تهدف إلى منع واشنطن من صياغة اتفاق منفرد مع موسكو يتجاوز الهواجس الأوروبية. كما يرى آخرون أن كييف تحاول نقل المعركة السياسية من ساحات القتال إلى الساحة الدبلوماسية، من خلال تثبيت حقها في تقرير مصير أراضيها وفق القانون الدولي، بعيدًا عن الضغوط الغربية المتزايدة لوقف الحرب بأي ثمن.
أوروبا تتمسك بالقرار المشترك مع كييف
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن مستقبل أوكرانيا لا يمكن تحديده دون رأي كييف ودون حضور الأوروبيين على طاولة التفاوض، معتبرًا أن أي حل سياسي يتجاهل مصالح أوروبا سيُهدد الأمن الإقليمي بأكمله. هذه الرسالة لقيت دعمًا واضحًا من المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي أعلن صراحة أنه “لا سلام يُفرض على أوكرانيا”، وكذلك رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الذي شدد على ضرورة التمسك بوحدة الموقف الأوروبي في مواجهة الضغوط الأميركية والروسية. ويرى محللون أن هذه التصريحات تعكس تحوّلًا متناميًا داخل أوروبا نحو استعادة دورها القيادي في تحديد ملامح الأمن القاري، بعدما أدركت أن ترك زمام المبادرة لواشنطن قد ينتهي بتفاهمات لا تُلبي مصالحها الاستراتيجية. ويؤكد خبراء أن أوروبا تسعى لإعادة التوازن في العلاقات عبر فرض نفسها شريكًا رئيسيًا لا مجرد طرف تابع في المعادلة الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو.
كالاس: الضغط يجب أن يُوجَّه للمعتدي وليس الضحية
حذّرت كايا كالاس من أن تركيز الضغوط على كييف لتقديم تنازلات سيُعد خطأً استراتيجيًا فادحًا، مؤكدة أن روسيا هي الطرف الذي بدأ الحرب ويواصل استهداف المدنيين. وأوضحت أن أي تسوية تُفرض على أوكرانيا ستُرسل رسالة خطيرة للعالم بأن تغيير الحدود بالقوة يمكن أن يُصبح أمرًا مقبولًا، وهو ما سيقوّض بنية القانون الدولي. وكشفت كالاس أن المفاوضات بين كييف وواشنطن في فلوريدا كانت “صعبة لكنها بنّاءة”، ما يعكس وجود خلافات لم تُحسم بعد بشأن البنود الجوهرية للخطة الأميركية. وأشارت إلى أن المفاوضين الأوكرانيين والأميركيين ما زالوا يناقشون “قضايا معقدة”، ما يعني أن الخطة لا تزال خاضعة للتعديل قبل تقديمها لموسكو. ويرى محللون أن روسيا قد تستغل هذا الغموض للضغط من أجل شروط تُعيدها إلى طاولة التفاوض من موقع أكبر قوة، في وقت تسعى فيه أوروبا لضمان عدم خروج أي اتفاق عن إطار الشرعية الدولية.



