غيانا الفرنسية بين صواريخ الفضاء وذهب الأمازون: معركة أوروبا من أجل سيادة بيئية مستحيلة

في أعماق الأمازون، على بعد نحو 7 آلاف كيلومتر من باريس، تواجه غيانا الفرنسية، الإقليم الأوروبي الاستوائي، تحديًا مزدوجًا: حماية سيادتها الاستراتيجية عبر قاعدة كورو الفضائية وضمان الاستدامة البيئية لسكانها الأصليين، وسط توسع مستمر للتعدين غير القانوني للذهب. هذا الإقليم، الذي يضم نحو 300 ألف نسمة، يعيش تحت لواء فرنسا والاتحاد الأوروبي، ويشارك في الانتخابات ويستخدم اليورو، لكنه يرزح أمام تلوث شديد بالزئبق وفقدان مستمر للغابات بسبب عمليات «الغاريمبيرو» غير القانونية. بينما تصعد الصواريخ الأوروبية في السماء حاملة أقمار مراقبة للبيئة والمناخ، يستمر التلوث في الأنهار ويزداد العبء الصحي على السكان. هذا التناقض بين السيادة الفضائية والأزمة البيئية يجعل غيانا الفرنسية نموذجًا صارخًا لقيود القوة الأوروبية عند مواجهة أزمات مناخية وعبر الحدود، ويطرح تساؤلات حول قدرة السياسات الأوروبية على الجمع بين العلم، القانون، وحماية الإنسان
مهمة «هاربي»: حرب مستمرة ضد التعدين غير القانوني
منذ عام 2008، تنفّذ فرنسا عملية «هاربي» في أعماق غابات Petit-Saut، بهدف مكافحة التعدين غير القانوني للذهب، ضمن جهود الجيش والدرك والفيلق الأجنبي الفرنسي. العملية، التي تضم نحو 600–700 عسكري و200 دركي، تُكلف فرنسا حوالي 55 مليون يورو سنويًا، لكنها لا تحقق حلًا جذريًا، فمجموعات «الغاريمبيرو» تستمر في التسلل عبر الغابة أو عبور نهر ماروني إلى سورينام لتجديد معداتها، مستخدمة الزئبق رغم حظر القانون الفرنسي منذ 2006. عمليات المطاردة تتكرر بشكل يومي: تعقب، مطاردة، مصادرة معدات، ثم عودة المنقبين بعد أيام قليلة، مما يجعل الغابات مسرحًا دائمًا للصراع بين القانون والسيطرة على الموارد. هذا النمط المتكرر يعكس محدودية الحلول الأمنية وحدود القوة الأوروبية أمام تحديات طبيعية واجتماعية معقدة في غيانا الفرنسية، حيث يمتد النزاع بين السيادة الوطنية والتهريب عبر حدود لا تخضع لنفس المعايير البيئية.

نهر ماروني: حدود غير متساوية
يعد نهر ماروني الحدود الطبيعية بين غيانا الفرنسية وسورينام، ويشكل تحديًا كبيرًا لفرض القانون الأوروبي. على الضفة الفرنسية، تطبق السلطات قوانين صارمة لحماية البيئة والصحة العامة، بينما على الضفة الأخرى تنتشر شبكات التعدين غير القانوني مدعومة بسلسلة إمداد تجارية، منها نحو 120 متجرًا صينيًا يبيع المعدات ويشتري الذهب ويخزن الزئبق، أحيانًا ضمن نظام «المشاركة في الإنتاج» لضمان التمويل للمنقبين. هذا التباين يجعل السيادة الفرنسية محدودة المفعول، في حين تستمر المياه بالتلوث والأنهار بالانحسار وظهور مسطحات موحلة قرب القرى. التداعيات البيئية والاجتماعية تتفاقم، مع تراجع الموارد السمكية وخطر مباشر على صحة السكان المحليين. ما يحدث هنا يمثل نموذجًا لكيفية تعقيد الحدود الطبيعية والسياسية جهود الاتحاد الأوروبي في حماية أراضيه من التلوث والأنشطة غير القانونية، ويكشف عن هشاشة التدابير البيئية عندما تواجه مصالح اقتصادية محلية وعابرة للحدود.
تأثير الزئبق على السكان الأصليين
تواجه مجتمعات الويانا في غيانا الفرنسية تهديدًا صحيًا مباشرًا من الزئبق المستخدم في تعدين الذهب، إذ تشير الفحوصات إلى مستويات عالية من التسمم لدى الأطفال والنساء الحوامل، مع أعراض تشمل اضطرابات التركيز والذاكرة، ضعف الرؤية وخدر الأطراف، إضافة إلى زيادة معدلات السكري وارتفاع ضغط الدم بسبب تغيّر نمط الغذاء. في موسم الأمطار، يتحول نهر الصيد الرئيسي إلى سائل معكر، ما يجبر السكان على الابتعاد لمسافات طويلة للحصول على مياه صالحة للشرب أو شراء غذاء معالج من الضفة السورينامية. الدعوى القضائية التي رفعتها لينيا أوبويا في 2024 ضد الدولة الفرنسية تبرز الإحباط المحلي من عدم فعالية عملية «هاربي»، التي لا توقف التدفق المستمر للمنقبين، ما يجعل التأثيرات الصحية والبيئية طويلة المدى غير قابلة للتراجع على الأجيال القادمة إذا استمر استخدام الزئبق.

قاعدة كورو: الفضاء الأوروبي بين التقدم والتناقض
على الساحل، بالقرب من كورو، تنطلق صواريخ آريان 6 حاملة أقمارًا صناعية أوروبية مثل Metop-SGA1 وSentinel-5، لرصد تغير المناخ والانبعاثات الغازية. اختيار غيانا الفرنسية كموقع الإطلاق يعتمد على قربها من خط الاستواء ومسار الإطلاق فوق المحيط الأطلسي، ما يوفر دفعة طبيعية للصواريخ ويضمن أمانًا للسكان. القاعدة توفر آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وتساهم بما لا يقل عن 15% من الناتج المحلي للإقليم، وتشكل جزءًا من «الاستقلال الاستراتيجي» لأوروبا. المفارقة الصارخة هنا أن الأرض نفسها التي تنطلق منها أقمار مراقبة البيئة، تعاني من تلوث مستمر وفشل في السيطرة على التعدين غير القانوني. هذا التباين يعكس الصعوبة في الجمع بين الطموحات الفضائية والسيطرة البيئية الفعلية، ويكشف عن التحديات المعقدة التي تواجه الاتحاد الأوروبي في حماية أراضيه النائية.

أوروبا والحدود المستحيلة: السيادة في زمن الأزمة المناخية
غيانا الفرنسية تمثل نموذجًا صارخًا للعجز الأوروبي في إدارة الأزمات العابرة للحدود، رغم كونها جزءًا رسميًا من الاتحاد الأوروبي وفرنسا. الاستفتاءات المحلية أظهرت رغبة السكان في البقاء ضمن الإطار الفرنسي، لكن شعور التهميش الاقتصادي مستمر. الموارد المخصصة لمكافحة التعدين غير القانوني، رغم إنفاق ما يقارب المليار يورو خلال عقدين، لا تكفي لوقف توسع النشاط، الذي سجّل في آخر تحليق جوي 176 موقع تعدين، وهو أعلى رقم موثق حتى الآن. هذا الواقع يبرز حدود السيادة الأوروبية على الأرض، ويكشف عن التحديات البيئية والاجتماعية التي تواجهها فرنسا والاتحاد الأوروبي عند محاولة حماية الموارد الطبيعية والمجتمعات المحلية، خصوصًا في مواجهة نشاط اقتصادي غير قانوني معقد ومدعوم من شبكات متعددة الجنسيات، ما يجعل التوازن بين السيادة والتنمية وحماية البيئة صعب التحقيق.
صواريخ وذهب وحقائق صعبة
تجمع غيانا الفرنسية بين أقمار المراقبة الفضائية والصراعات البيئية المحلية لتكشف معضلة الاتحاد الأوروبي: حماية السيادة والاستقلال الاستراتيجي من جهة، ومعالجة أزمة بيئية وصحية متفاقمة من جهة أخرى. الصواريخ التي تشق السماء ترصد تدهور الغابات والانبعاثات الكربونية، بينما التلوث المستمر في الأنهار يهدد صحة السكان ويؤثر على نظم الغذاء. الذهب غير القانوني يمثل عائقًا مباشرًا أمام تحقيق السيادة البيئية، في وقت تحتاج فيه الإجراءات القانونية والأمنية لسنوات طويلة للتأثير الفعلي. المشهد في غيانا الفرنسية يعكس هشاشة القدرة الأوروبية على الجمع بين الطموحات التكنولوجية والالتزام البيئي، ويطرح أسئلة عن قدرة الاتحاد الأوروبي على إدارة الأزمات العابرة للحدود بشكل فعال، في عالم يتصاعد فيه الضغط على الموارد الطبيعية بسرعة لم يشهدها التاريخ الحديث.



