الايكونوميست: تقرير تحليلي: عامٌ على سقوط الأسد… كيف نجح أحمد الشرع في إدارة المرحلة الانتقالية في سوريا؟

ومع ذلك، فإن الطريق أمام الشرع لا يزال محفوفًا بتحديات وجودية تتعلق بطبيعة الحكم، وبناء المؤسسات، وطمأنة الأقليات، وصياغة مستقبل مختلف عن نموذج الأسد الذي ثار السوريون ضده.
أولًا: الشرع على المسرح الدولي… براغماتية أخرجت سوريا من العزلة
منذ توليه السلطة، اتجه الشرع إلى هجوم دبلوماسي واسع:
• كسب دعم الولايات المتحدة، واستقبله الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، مع تعليق مؤقت للعقوبات.
• حصل على دعم معظم دول الخليج، وبدأ مفاوضات لعودة الاستثمارات وإيقاف تجارة الكبتاغون.
• يسعى إلى مفاوضات سلام مع إسرائيل، رغم الرفض الإسرائيلي حتى الآن.
بهذه الخطوات، انتقلت سوريا من “دولة تدور في فلك إيران وروسيا” إلى دولة تحاول إعادة التموضع في المعسكر القريب من الغرب.
هذا التحول يمثل انقلابًا جذريًا على سياسة الأسد الخارجية.
ثانيًا: ما لم يحدث… سوريا لم تسقط في الفوضى
على عكس دول أخرى بعد ثورات دامية:
• لم تنحدر سوريا إلى حرب أهلية جديدة.
• لم تُفرض الشريعة رغم خلفية الشرع.
• لم تتغير الحياة المدنية في دمشق: الحانات مفتوحة، والنساء غير مجبرات على الحجاب.
هذه المعطيات تُحسب للرئيس الجديد، الذي اختار البراغماتية بدل الأيديولوجيا.
ثالثًا: اقتصاد منهار… وواقع يستحيل إصلاحه خلال عام
الحرب والعقوبات دمّرت الاقتصاد:
• الناتج المحلي انخفض أكثر من 70% منذ 2011
• ملايين السوريين بحاجة إلى سكن وخدمات وفرص عمل
لا يمكن تحميل الشرع مسؤولية عدم تحقيق معجزة اقتصادية خلال سنة واحدة. لكن يمكن تقييم نمط الحكم الذي يتبعه.
رابعًا: أخطر ما يواجه سوريا… الحكم الموازي وعودة الدولة العميقة
حتى الآن، يفضل الشرع خلق هياكل موازية بدلًا من إعادة بناء مؤسسات الدولة:
• إنشاء أجهزة جديدة خارج الوزارات
• تعيين مقربين سابقين من رفاق السلاح في مواقع حساسة
• آخرها: هيئة الجمارك الجديدة التي يسيطر عليها أحد حلفائه الجهاديين السابقين
• تحويل مصادر التمويل الحكومية إلى صلاحيات شخصية
هذا المسار مقلق، لأنه يشبه ما فعله الأسد لعقود.
خامسًا: الأقليات… القلق العميق الذي لم يُعالَج
رغم خطاب الشرع التصالحي، إلا أنّ الأقليات ما زالت قلقة:
• مذبحة ضد العلويين في مارس
• وأخرى ضد الدروز في يوليو
• إدانات دون محاسبة
• غياب خطوات عملية لطمأنة المسيحيين والعلويين والدروز والكرد
الخطر هنا أنّ الشرع يبدو غير مدرك أن الأقليات تعتبر حكمه تهديدًا محتملًا بسبب خلفيته الدينية والتاريخ الدموي للحرب.
سادسًا: البرلمان الجديد… اختبار مصيري
البرلمان الذي سيُشكَّل في يناير قد يحدد مستقبل سوريا:
• هل سيصبح سلطة رقابية حقيقية؟
• أم مجرد ختم مطاطي مثل برلمان الأسد؟
الشرع أمام فرصة لبناء نظام مؤسساتي جديد، لكن خطر إعادة إنتاج نموذج الأسد لا يزال قائمًا.
خلاصة
أحمد الشرع حقق نجاحات واضحة:
• منع الفوضى والاقتتال الداخلي
• أعاد فتح أبواب العالم أمام سوريا
• حافظ على نمط الحياة المدنية
• سجل اختراقات دبلوماسية غير مسبوقة
لكن تبقى أمامه مخاطر كبرى:
• تغوّل الحكم الموازي
• عدم طمأنة الأقليات بشكل كاف
• مركزية السلطة بيد المقربين
• غياب رؤية لإعادة بناء الدولة الحديثة
الانتقال السوري يسير أفضل مما توقع الجميع، لكن المهمة الأصعب لم تبدأ بعد:
بناء دولة مختلفة عن سوريا الأسد، لا نسخة جديدة منها.



