الثامن من ديسمبر… وطنٌ تحرر وقلبٌ ما زال أسيراً

الثامن من ديسمبر… وطنٌ تحرر وقلبٌ ما زال أسيراً.
يوم التحرير… وفراغٌ لا يملؤه الفرح.
في الثامن من ديسمبر عام 2024، استيقظت سوريا على ضوءٍ لم تعرفه منذ سنوات طويلة. كان الصباح مختلفاً، الهواء أخف، والسماء أكثر صفاءً، وكأن الغيوم التي تراكمت لسنوات فوق أرواحنا قرّرت أخيراً أن تتفكّك. في ذلك اليوم، خرج الناس إلى الشوارع كما لو أنهم يستعيدون أنفاساً كانت محبوسة في صدورهم منذ زمن بعيد. قيل إن سوريا تحررت، وإن الليل الطويل الذي لطالما أثقل خطواتنا قد انقضى أخيراً.
لكنني، ورغم كل الأصوات التي امتزجت بالفرح والهتافات، حملت في قلبي شعوراً ثقيلاً لا يشبه ما شعر به الآخرون.
أفراح الناس وظلّ الغياب:
كنتُ أنظر حولي، أرى الوجوه تبتسم، الأطفال يركضون، النساء يزغردن، والرجال يرفعون الأعلام ويعانقون بعضهم بعضاً بعيون دامعة. ومع ذلك، شعرتُ أن شيئاً ناقصاً، شيئاً أكبر من أن يكتمل بالتحرير فقط. كان هناك فراغٌ يُطلّ عليّ كظلّ طويل، لا يُلامس النور ولا يرحل مع الضوء.
ذلك الفراغ كان اسم أخي.
أخي الذي غاب، ولا نعرف حتى هذه اللحظة أين هو، ولا متى يعود، ولا إذا كان ما يزال يسمع أصواتنا أو يشعر بنا.
البحث بين الوجوه:
في ذلك اليوم، بينما كان العالم يحتفل، كنتُ أبحث في الوجوه. كل وجه صادفته كان يُشبهه بطريقةٍ ما، إما في العينين، أو في طريقة الوقوف، أو في نبرة الصوت التي تمرّ سريعاً بالقرب مني فتستفز قلبي. وكنتُ أركض خلف كل ظلّ يشبهه، خلف كل خطوة أظنها له، خلف كل ضحكة أشعر أنها قادرة على إعادة جزء من روحي.
لكن كل هذا كان سراباً.
غياب الشباب… وبيوت تنتظر
حتى أصدقاؤه الذين كانوا معه يوماً ما… كثيراً منهم لم يظهروا أيضاً. كأنهم ابتلعتهم نفس الطريق الطويل الذي ابتلع أخي. كانت أسماؤهم تُذكر على استحياء، صورهم غائبة، أصواتهم غير موجودة. كانوا شباباً، وبعضهم لم يتجاوز العشرين، لكنّ الحرب سرقت أعمارهم قبل أن تبدأ حياتهم أصلاً.
وفي يوم التحرير، كان من المفترض أن يعودوا، أن ينتشروا بين الناس مثل نسيم الفرح، أن يقرعوا أبواب بيوتهم، أن يركضوا إلى أحضان أمهاتهم. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
وفي إحدى لحظات الاحتفال، نظرتُ إلى الشارع، حيث كانت الناس تغني وتبكي وتضحك في نفس اللحظة.
قلت لنفسي بصوت منخفض:
“تحررت البلاد… لكن قلبي لم يتحرر بعد.”
كنت أشعر بالحزن يتسلّل بين الضحكات من حولي، كأن الفرح نفسه يخجل مني. كلما سمعت أحداً يقول “أخيراً خلصنا”، كانت روحي تتمزق قليلاً. لأن الخلاص بالنسبة لي لم يكن يوماً نهاية الحرب، بل كان عودة أخي.
تحرير البلاد… وانتظار لا ينتهي
ذلك اليوم كتب في التاريخ أنه يوم تحرير سوريا، لكنه في حياتي كان يوماً آخر من الانتظار.
انتظار خبر، انتظار صوت، انتظار أي علامة تقول إن أخي ما زال في مكان ما على هذه الأرض.
كان التحرير بالنسبة للناس نهاية، أما بالنسبة لي فكان سؤالاً جديداً بلا إجابة.
الليل والفراغ
في الليل، بعد أن خفتت الأصوات وهدأت الهتافات، جلست على سريري وأغمضت عيني. حاولت أن أتخيل أخي وهو يدخل من الباب فجأة، يبتسم، ويقول لي كعادته: “طولت الغيبة بس رجعت.”
لكن الخيال كان مؤلماً، لأن الباب بقي مغلقاً، والغرفة بقيت فارغة، وأنا بقيتُ أنتظر.
معنى الوطن الحقيقي
يقولون إن التحرير يعيد الروح للبلد…
لكن الروح لا تعود كاملة إلا عندما يعود الغائبون.
وعندما يعود الذين اختفوا في الطريق، الذين لم نرهم منذ سنوات، الذين تركوا وراءهم بيوتاً تبكي وأمهات يحترقن شوقاً وذكرياتٍ علقت في الزوايا.
يوم جميل للجميع..وحزين جداً لي
في يوم التحرير، تعلمت شيئاً واحداً:
أن الوطن لا يكتمل إلا بأبنائه، وأن الفرح لا يكون فرحاً إذا غاب عنه من نحب.
وأنني، مهما تغيرت الأيام، سأبقى أنتظر أخي… أنتظر وجهه الذي لم يغادرني لحظة، أنتظر أن يكتمل هذا الفرح الناقص، أنتظر أن أشعر أن هذا اليوم حقاً يوم تحرير.
حتى ذلك الحين…
سيبقى الثامن من ديسمبر يوماً جميلاً عند الجميع، وحزيناً جداً عندي.
وسيبقى اسمه محفوراً في ذاكرتي، ليس كيوم التحرير فقط، بل كيوم تذكّرت فيه كل ما فقدته في الطريق.



