لندن تكشف التحوّل العميق في علاقة أوروبا بالولايات المتحدة حول أوكرانيا

شهدت العاصمة البريطانية لندن اجتماعًا رباعيًا جمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع كبار القادة الأوروبيين، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، في لحظة حرجة من الصراع المستمر منذ غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير 2022. الاجتماع جاء بعد تعثّر مفاوضات فلوريدا بين واشنطن وكييف، حيث لم يتم التوصل لأي اختراق ملموس في ملف الحرب، ما يسلّط الضوء على أزمة استراتيجية معقدة بين حلفاء الغرب. تكشف التصريحات والمداولات في لندن عن تحول جذري في طبيعة العلاقة التقليدية بين أوروبا والولايات المتحدة، ما يجعل القارة أمام واقع سياسي جديد لا يمكن تجاهله، ويضع على عاتق الأوروبيين مسؤولية تطوير سياسات مستقلة مع الحفاظ على الدعم الغربي، بينما تحتاج أوكرانيا إلى تعزيز التحالفات الأمنية لضمان صمودها العسكري والاقتصادي، والحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها خلال السنوات الماضية.

واشنطن تغيّر نهجها وأوروبا تتأقلم
أثارت استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة ردود فعل أوروبية واسعة النطاق بسبب لهجتها الحادة تجاه الاتحاد الأوروبي، وتحذيراتها من مخاطر «المحو الحضاري» المحتمل نتيجة الهجرة، وانتقاداتها لطبيعة النظام الأوروبي القائم على الإجماع السياسي. الأخطر كان التحذير الأميركي من أن واشنطن ستعمل على «تنمية مقاومة داخل أوروبا لتغيير مسارها»، ما اعتبره محللون تدخلاً مباشرًا لدعم تيارات سياسية معينة داخل دول الاتحاد، بما في ذلك القوى الشعبوية اليمينية. يمثل هذا التوجه تحولًا جذريًا بعد عقود من التحالف الاستراتيجي بين ضفتي الأطلسي، ويشير إلى أن أوروبا باتت بحاجة لتطوير أدواتها الخاصة لضمان مصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك الاستقلال في صنع القرار السياسي والأمني. في هذا السياق، يظهر بوضوح أن القارة الأوروبية تواجه معادلة صعبة: الحفاظ على دعم الولايات المتحدة الضروري لأوكرانيا، وفي الوقت نفسه تعزيز دورها المستقل في صياغة حلول سياسية وأمنية متوازنة.


مواقف زيلينسكي وفرنسا وألمانيا
أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لندن أن بلاده لا تستطيع إدارة الصراع المستمر دون دعم من الولايات المتحدة وأوروبا، موضحًا أن أي تراجع أو انفصال في الجبهة الغربية سيكون مكلفًا على كييف وقد يفرض تنازلات استراتيجية مؤلمة. من جهة أخرى، أبدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقفًا أكثر استقلالية، مشيرًا إلى أن أوروبا تمتلك أوراق قوة يمكن استثمارها للتوصل إلى تسوية سياسية، مؤكدًا أن روسيا تواجه قيودًا اقتصادية وعسكرية تحد من خياراتها الاستراتيجية، وهو ما يعكس سعي باريس لاستعادة دور قيادي مستقل عن واشنطن. في المقابل، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس تشككًا واضحًا تجاه بعض المقترحات الأميركية، ما يمثل تحولًا عميقًا في الموقف الألماني تجاه دور واشنطن، ويشير إلى أن برلين لم تعد تعتبر الولايات المتحدة صاحبة الكلمة الفصل في السياسة الأوروبية تجاه أوكرانيا، ما يعكس تعقيد المشهد السياسي والضغط المتزايد على القادة الأوروبيين لإيجاد حلول مستقلة ومتوازنة.
مناقشات حسّاسة خلف الأبواب المغلقة
أكدت مصادر دبلوماسية أن النقاشات في داونينغ ستريت تناولت قضايا شديدة الحساسية، أبرزها مستقبل الأراضي المتنازع عليها بين روسيا وأوكرانيا، والضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف قبل أي تسوية، ودور الولايات المتحدة في أي اتفاق مستقبلي، وإمكانية تقليص الدعم العسكري الأميركي. كما بحث القادة الأوروبيون خيارات التصرف في حال قلّ الدعم الأميركي أو انسحب بشكل جزئي، بما في ذلك تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وربط استراتيجيات الدفاع الوطني بالاتحاد الأوروبي. هذا النقاش يعكس إدراك الأوروبيين أن الاعتماد الكامل على واشنطن لم يعد مضمونًا، وأن عليهم إعداد خطط بديلة لضمان مصالحهم القارية والأمنية، مع الحفاظ على الدعم المستمر لأوكرانيا، بما يشمل الموارد المالية والعسكرية والتكنولوجية اللازمة لاستمرار صمود القوات الأوكرانية وتحقيق أهدافها في الحرب.

تحديات جديدة واستنتاجات سياسية
تكشف نتائج اجتماع لندن عن انقسام غير مسبوق في الرؤى بين أوروبا والولايات المتحدة بشأن نهج الحرب في أوكرانيا، ما يزيد الضغط على القادة الأوروبيين لتطوير استراتيجية مستقلة تتماشى مع مصالحهم، خصوصًا مع التصريحات المثيرة للجدل من شخصيات نافذة في واشنطن، بما فيها دونالد ترامب الابن الذي ألمح إلى احتمال «وقف الدعم عن أوكرانيا». هذا التحول يعكس ضرورة إعادة صياغة توازن القوى داخل الغرب، حيث لم تعد أوروبا قادرة على الاعتماد على واشنطن وحدها، في وقت تواجه أوكرانيا تحديات استراتيجية تتطلب تحالفات مرنة ودعمًا لوجستيًا مستمرًا وابتكارًا دبلوماسيًا للحفاظ على المكاسب الميدانية والسياسية. وبات واضحًا أن أوروبا بحاجة لإيجاد مزيج من الاستقلالية والدعم الغربي لضمان استقرار المنطقة، مع الحفاظ على وحدة الصف الغربي وتفادي أي خرق محتمل قد يؤثر على مسار التسوية السياسية المستقبلية.



