تقرير موسّع: مصر تعيد رسم خريطة تسليحها عبر التصنيع العسكري المشترك… وتبتعد تدريجياً عن عباءة واشنطن
تشهد المنظومة الدفاعية المصرية تحولاً استراتيجياً غير مسبوق، إذ تتجه القاهرة نحو توسيع التصنيع العسكري المشترك وبناء قاعدة صناعية محلية قادرة على إنتاج منظومات متطورة، بعد عقود من الاعتماد على صفقات جاهزة من الشرق والغرب، خصوصاً الولايات المتحدة التي احتكرت جانباً مهماً من تسليح الجيش المصري.
هذا التغير لا يأتي بمعزل عن السياق الدولي والإقليمي؛ فتعطّل صفقات أمريكية حساسة، وضغوط سياسية مرتبطة بحقوق الإنسان، واعتراضات إسرائيلية على تطور القدرات المصرية، كلها عوامل دفعت القاهرة إلى تبنّي سياسة جديدة أكثر استقلالية ومرونة.
خلف التحول: برود أمريكي… وقيود إسرائيلية
وفق مصادر عسكرية تحدثت لـ”عربي بوست”، فإن مصر لم تتلقّ حتى الآن رداً واضحاً بشأن صفقة مقاتلات F-15 الأمريكية أو تطوير أسطول F-16، رغم تصاعد المخاطر على الحدود المصرية، من غزة إلى البحر الأحمر.
وتزامن ذلك مع تهديدات أمريكية بفرض عقوبات على أي صفقات مصرية مع روسيا أو الصين، ما عمّق قناعة القاهرة بضرورة تنويع مصادر التسليح وامتلاك التكنولوجيا بدلاً من استيرادها فقط.

إيديكس 2025… لحظة إعلان الانتقال
معرض الدفاع الدولي “إيديكس 2025” جسّد هذا التحول بوضوح، إذ وقّعت مصر:
• اتفاقيات تصنيع مشترك مع تركيا
• تعاون دفاعي مع الصين
• مذكرات مع كوريا الجنوبية لنقل إنتاج مقاتلات FA-50 إلى حلوان
• تفاهمات مع فرنسا وبلغاريا وباكستان لتعميق التصنيع المحلي
هذه الصفقات تؤكد أن القاهرة تسعى إلى:
• خفض الاعتماد على السلاح الأمريكي
• خلق قاعدة صناعية متطورة
• امتلاك التكنولوجيا الاستراتيجية بدلاً من شرائها فقط
خيارات القاهرة الجديدة: طائرات ومعدات بتكلفة أقل وقدرات أعلى
تركيا
• شراكات صناعية متقدمة
• اهتمام بالمقاتلة الشبحية التركية KAAN ذات قدرات التخفي والمناورة العالية
كوريا الجنوبية
• نقل إنتاج المقاتلة FA-50 إلى مصر
• المقاتلة تؤدي 80% من مهام F-16 لكن بتكاليف تشغيل منخفضة
الصين
• تطوير نظم دفاعية متقدمة داخل مصر
• تعاون في المسيّرات والتقنيات الإلكترونية العسكرية
دول أوروبية
• فرنسا، ألمانيا، إنجلترا… تعاون ممتد في فرقاطات، مدرعات، رادارات، ومنظومات مدفعية
هل تصطدم مصر بالغرب؟
المصادر تؤكد أن القاهرة لا تسعى لصدام مع الدول الغربية، ولكنها:
• لن تربط حصولها على السلاح بشروط سياسية
• لن تقبل بقيود إسرائيلية تمنع تطوير الجيش المصري
• تستخدم التحالفات الجديدة كأداة ضغط للحصول على التكنولوجيا الغربية
كما أن نجاح مصر في تصنيع دبابة M1 بنسبة 90% مكوّن محلي يؤكد قدرة الصناعة العسكرية على التطور، ما شجع القاهرة على التوسع في شراكات جديدة مع خصوم واشنطن.
سباق لتوطين التكنولوجيا: من الصواريخ إلى الرافال
تعمل مصر حالياً على تصنيع أجزاء مهمة من:
• الطائرة رافال
• المدفع الكوري K9A1EGY بنسخته المصرية
• الصواريخ الباليستية ردع 300
• المسيّرة المصرية الثقيلة جبار 150
• تصنيع الصلب المدرع (ضمن 6 دول فقط عالمياً)
• المركبة القتالية “العقرب” و”تمساح”
كما صدّرت مصر أسلحة إلى أكثر من 30 دولة عربية وإفريقية إضافة إلى دول أوروبية.

إيديكس 2025… أكبر عرض لقوة الصناعة الدفاعية المصرية
الهيئة العربية للتصنيع شاركت بـ 57 منتجاً بينها 18 منتجاً يُعرض لأول مرة، مثل:
• المسيرة العمودية VTOL بالتعاون مع تركيا
• مسيرة “الفرد المقاتل” بالتعاون مع الصين
• نموذج المدفع المصري الكوري المشترك K9A1EGY
ويعد مشروع الهاوتزر K9 أحد أهم شراكات نقل التكنولوجيا، إذ يصل مداه إلى أكثر من 40 كم وقدرته على إطلاق عدة قذائف خلال ثوان، ما يجعله ضمن الأقوى عالمياً.
لماذا تتجه مصر للتصنيع المشترك بقوة؟
• تقليل فاتورة الاستيراد المرتفعة
• التحرر من الضغط السياسي الأمريكي
• خلق وظائف واستثمارات محلية
• دعم الأمن القومي في منطقة مشتعلة
• تعزيز مكانة مصر كمصدّر للسلاح
• بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة العالمية
المصادر تؤكد أن القاهرة تتحمّل حالياً تكاليف باهظة بسبب افتتاح خطوط إنتاج جديدة، لكن العوائد الاقتصادية والسياسية والعسكرية ستتضاعف خلال السنوات المقبلة.
خلاصة التقرير
مصر لا تغادر عباءة واشنطن فقط… بل تبني عباءتها العسكرية الخاصة.
القاهرة تتحرك بثبات نحو استقلالية تسليحية عبر التصنيع المشترك مع دول صاعدة دفاعياً مثل تركيا وكوريا والصين، ودول متقدمة كفرنسا وألمانيا. هذا التغيير يعيد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط، ويضع مصر على مسار جديد لتكون دولة منتجة للسلاح وليست مستوردة فقط.



