ترامب يصعّد هجومه على CBS وسط سباق السيطرة على وارنر براذرز

تجدّد الاشتباك بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وشبكة CBS ليكشف جانبًا من العلاقة المتوترة بين البيت الأبيض والمنصات الإعلامية الكبرى في الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الإعلام خلال السنوات الأخيرة وتغيّر مراكز النفوذ داخله. هجوم ترامب الأخير جاء بعد بث مقابلة مطوّلة مع النائبة المستقيلة مارغوري تايلور غرين في برنامج 60 Minutes، في خطوة اعتبرها ترامب جزءًا من حملة تستهدف صورته ومكانته السياسية في لحظة حساسة تتزامن مع إعادة تشكيل التحالفات داخل الحزب الجمهوري. وفي الخلفية، كانت Paramount Skydance تتقدّم بعرض ضخم بقيمة 108 مليارات دولار للاستحواذ على Warner Bros Discovery، بتمويل من Affinity Partners التي يديرها جاريد كوشنر. هذا التزامن بين المعركة الإعلامية والتنافس التجاري يعكس مستوى جديدًا من التشابك بين السياسة ورأس المال والإعلام، ويبدو أنه سيستمر في تشكيل المشهد الأميركي خلال الفترة المقبلة.
هجوم مباشر على CBS الجديدة
صعّد ترامب خطابه ضد CBS واعتبر أن ملكيتها الجديدة “أسوأ من القديمة”، ملمّحًا إلى وجود تغييرات تحريرية تستهدفه بشكل مباشر. وتركّزت انتقاداته على مقابلة مارغوري تايلور غرين التي بُثّت عبر برنامج 60 Minutes، حيث هاجم ترامب طريقة إدارة الحوار واعتبر أن البرنامج ومقدمته ليزلي ستال عملا على تقديم غرين في سياق يخدم خصومه السياسيين. وذهب ترامب أبعد من ذلك حين اتهم الشبكة بأنها فقدت حياديتها بعد انتقال ملكيتها، معتبرًا أن ما حدث يمثل انحرافًا عن الدور الصحفي التقليدي باتجاه خطاب سياسي موجّه. تصريحات ترامب استقطبت اهتمامًا واسعًا لأنها تأتي في وقت تحاول فيه CBS إعادة بناء صورتها بعد التغيير الإداري، فيما يُنظر إلى هجوم الرئيس الأميركي على أنه جزء من استراتيجية أوسع يسعى فيها إلى الضغط على المؤسسات الإعلامية المؤثرة قبل دخول سباق انتخابي حاسم، ما يجعل الشبكة في قلب صراع سياسي–إعلامي متصاعد.
معركة الاستحواذ على وارنر براذرز
في نفس اليوم الذي شنّ فيه ترامب هجومه، أعلنت Paramount Skydance تقديم عرض استحواذ ضخم على Warner Bros Discovery بقيمة 108 مليارات دولار، وهو رقم يعكس حجم المنافسة المتصاعدة بين كبريات الشركات الإعلامية. وتكمن حساسية الصفقة في التمويل الذي قدمته Affinity Partners التي يديرها جاريد كوشنر، ما أضفى بُعدًا سياسيًا ودفع محللين للتساؤل بشأن التأثير المحتمل لهذا الارتباط على مستقبل العلاقة بين الإعلام ورجال السياسة داخل الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، تُعد Warner Bros Discovery إحدى ركائز صناعة الترفيه الأميركية، والاستحواذ عليها قد يعيد تشكيل موازين القوى في سوق البثّ الرقمي والتلفزيون التقليدي. لذلك، يتعامل المراقبون مع الصفقة بوصفها حدثًا اقتصاديًا وسياسيًا في آن واحد، مع إمكانية أن تؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل هوليوود وشبكات الأخبار، فضلًا عن تأثيرها غير المباشر على الخط التحريري للمنصات الكبرى في ظل استقطاب سياسي متزايد.
غرين.. من حليف قوي إلى ناقد شرس
تشكل مقابلة مارغوري تايلور غرين جزءًا من مشهد سياسي متحوّل، إذ انتقلت النائبة السابقة من كونها إحدى أبرز داعمي ترامب داخل الكونغرس إلى شخصية تستخدم المنابر الإعلامية الكبرى لإبداء انتقادات مباشرة له. ظهورها على CBS لم يكن مجرد مقابلة عادية، بل خطوة تُظهر رغبتها في إعادة رسم موقعها داخل المشهد الجمهوري بعد سنوات من الارتباط الوثيق بترامب. وقد أثار ذلك غضب الرئيس الأميركي ودفعه لاستخدام عبارات قاسية بحقها، معتبرًا أنها تحاول بناء حضور سياسي مستقل على حساب إرثه ونفوذه داخل القاعدة المحافظة. ويشير محللون إلى أن غرين تستفيد من حالة الانقسام داخل الحزب الجمهوري ومن تعطّش الشبكات الكبرى لاستضافة شخصيات مثيرة للجدل، ما يجعلها خيارًا جذابًا لبرامج ذات جماهيرية عالية. هذا التحوّل لا يعكس فقط تغيرًا في مواقف غرين، بل يكشف أيضًا هشاشة التحالفات داخل التيار اليميني الأميركي، حيث تتحول العلاقات بسرعة من تحالف إلى مواجهة تحت ضغط الانتخابات وتغيّر الأولويات السياسية.
قراءة في المشهد الإعلامي والسياسي الأميركي
المواجهة بين ترامب وCBS في ظل صفقات الاستحواذ الضخمة داخل صناعة الإعلام توضح أن المشهد الأميركي يدخل مرحلة جديدة من التداخل بين السلطة السياسية والمؤسسات الإعلامية ورأس المال الخاص. فالشبكات الكبرى لم تعد مجرد منصات لنقل الأخبار، بل أدوات لصياغة السرديات وصناعة التأثير، ما يجعل تغيّر ملاكها حدثًا سياسيًا بامتياز، ينعكس على طريقة تناولها للملفات الداخلية والخارجية. ومع دخول جهات قريبة من ترامب، مثل جاريد كوشنر، في استثمارات إعلامية كبرى، يُثار تساؤل حول مدى قدرة الإعلام على الحفاظ على استقلاليته في ظل هذا التشابك بين السلطة والمال. وفي المقابل، تتجه المؤسسات الإعلامية إلى تعزيز نفوذها عبر توسيع عمليات الدمج والاستحواذ لمواجهة المنافسة الشرسة من منصات البث الرقمي. هذا الوضع يخلق دائرة جديدة من الصراع، حيث تتقاطع الحملات الانتخابية مع معارك النفوذ الإعلامي، ما يجعل العلاقة بين السياسيين والشبكات في الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا مقارنة بالسنوات السابقة.



