قادة أوروبا يبحثون مع ترامب مسار السلام في أوكرانيا في خضم لحظة حاسمة للصراع

تدخل مباحثات السلام المتعلقة بالحرب في أوكرانيا مرحلة حاسمة مع تزايد التنسيق بين القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا. فقد كشف مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن محادثات رفيعة المستوى أجريت مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إطار الجهود المتواصلة للوصول إلى تسوية عادلة تنهي الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وتأتي هذه التحركات في ظل إدراك أوروبي متزايد بأن التطورات الميدانية والسياسية باتت تفرض ضرورة تسريع العمل على خطة السلام الأميركية، التي تتضمن ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية تمتد إلى مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار. ويعكس التوافق الثلاثي بين لندن وباريس وبرلين رغبة في ضمان عدم انحراف المفاوضات عن مسارها، خصوصًا مع تزايد المخاوف من تجدد التصعيد العسكري. ويمثل الاتصال المشترك مع ترامب خطوة لافتة تهدف إلى تثبيت رؤية مشتركة حول مستقبل أوكرانيا، وتعزيز الجهود الرامية لإنهاء إزهاق الأرواح وتخفيف الأعباء التي خلّفتها الحرب على أوروبا والعالم.
لحظة حاسمة في مسار التسوية الأوكرانية
أكد مكتب رئيس الوزراء البريطاني أن القادة الأوروبيين رحّبوا بالجهود الأميركية الهادفة إلى التوصل إلى اتفاق سلام دائم في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن ما يحدث الآن يمثل “لحظة حاسمة” في مصير البلاد. وتم خلال الاتصال استعراض آخر المستجدات المتعلقة بالمفاوضات الجارية، بما في ذلك الخطوات العملية التي تعمل عليها واشنطن لدفع الأطراف نحو تسوية قابلة للتطبيق. القادة شددوا على أن استمرار العمل المكثف في الأيام المقبلة ضروري لتوحيد الرؤى بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية، خاصة مع ارتفاع التكلفة الإنسانية للحرب. ويأتي هذا الاصطفاف الدبلوماسي في وقت تواجه فيه كييف ضغوطًا اقتصادية وعسكرية كبيرة، بينما يحاول حلفاؤها الأوروبيون منع أي فراغ قد تستغله موسكو لتقييد العملية التفاوضية. وتظهر تصريحات مكتب ستارمر إدراكًا واضحًا بأن عدم التحرك السريع قد يضعف فرص تثبيت المسار السياسي، ما يفتح الباب أمام مزيد من التعقيدات التي قد تُطيل أمد الصراع.
مكالمة ماكرون – ترامب وتنسيق متعدد الأطراف
أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه شارك في اتصال هاتفي مع ترامب وعدد من نظرائه الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءًا من تحرك فرنسي لإعادة تثبيت دور باريس في الوساطة الدولية. وجاءت المكالمة، التي استمرت نحو 40 دقيقة، من قاعة بلدية سان مالو، حيث قال ماكرون إنه اغتنم الفرصة لمناقشة الملفات العالقة في خطة السلام الأميركية، مع التركيز على ضرورة ضمان استمرارية الدعم الأوروبي لكييف. ويشير هذا التواصل عالي المستوى إلى أن واشنطن تسعى لإشراك الحلفاء الأساسيين في صياغة الإطار النهائي للاتفاق، ما يمنح العملية التفاوضية طابعًا جماعيًا يقلل من المخاوف الأوروبية بشأن أي ترتيبات أحادية الجانب. كما يعكس انخراط ماكرون رغبة فرنسية في عدم ترك الساحة الدبلوماسية للقوى الأخرى، خاصة في ظل الانتقادات التي تواجهها باريس بشأن دورها في الصراع الأوكراني. وتؤكد تصريحات ماكرون أن الملف بات “مسألة تهمّ الجميع”، ما يدل على إدراك أوروبي متزايد لخطورة المرحلة.
اجتماع جديد لتحالف الراغبين
أفادت الرئاسة الفرنسية بأن مجموعة “تحالف الراغبين“، التي تضم الدول الأكثر انخراطًا في دعم أوكرانيا، ستعقد اجتماعًا جديدًا عبر الاتصال المرئي غدًا الخميس، في إطار التنسيق المستمر حول خطة السلام. وتشترك فرنسا وبريطانيا في قيادة هذا التحالف، ما يمنحه وزنًا دبلوماسيًا إضافيًا، خاصة مع مشاركة ألمانيا والولايات المتحدة بفعالية. هذا الاجتماع يأتي بعد سلسلة نقاشات ماراثونية شهدتها الأسابيع الأخيرة، في محاولة لتعزيز وحدة الموقف الغربي وتحديد معالم المرحلة المقبلة من التسوية. وأكدت لندن أن رئيس الوزراء ستارمر سينضم إلى الاجتماع، فيما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مشاركته عبر الإنترنت، ما يعكس حرص كييف على البقاء شريكًا فاعلًا في صياغة مستقبلها السياسي. وتُعد هذه الاجتماعات مؤشرًا على رغبة المجتمع الدولي في تحويل الزخم السياسي إلى خطوات عملية، سواء في ملف وقف إطلاق النار أو في الإعداد لجولات تفاوضية أوسع تشمل الجوانب الاقتصادية والعسكرية.
تحضيرات لإعادة الإعمار ورسم المستقبل الاقتصادي
قال الرئيس زيلينسكي إن مسؤولين أوكرانيين سيعقدون محادثات مع نظرائهم الأميركيين لبحث ملفي إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية بعد الحرب، في إطار رؤية متكاملة للسلام مع روسيا. وتشير هذه الخطوة إلى أن كييف بدأت بالفعل العمل على تصور استراتيجي للمرحلة اللاحقة للصراع، خصوصًا في ظل الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية الحيوية. وتكمن أهمية هذه الاجتماعات في أنها تربط بين المسار التفاوضي والمستقبل الاقتصادي لأوكرانيا، بحيث لا يظل السلام مجرد اتفاق سياسي، بل عملية شاملة تضمن قدرة الدولة على التعافي. ويؤكد خبراء أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقديم ضمانات مالية وتقنية تتيح لأوكرانيا استعادة قدراتها، فيما يركز الأوروبيون على ضمانات الأمن والحدود. وتعد هذه المقاربة المشتركة مؤشرًا على رغبة دولية في تقوية مؤسسات الدولة الأوكرانية ومنع أي فراغ قد يعيد الصراع إلى نقطة الصفر، وهو ما يجعل ملف إعادة الإعمار جزءًا أساسيًا من معادلة السلام.



