فايننشال تايمز: أوكرانيا وحزامها الدفاعي في دونباس… هل التنازلات الأمريكية تقرب السلام أم تفتح أبواب الحرب؟
مع استمرار جهود واشنطن والدول الغربية لإنهاء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، يبرز تحدٍّ مركزي قد يقوض أي اتفاق سلام محتمل: التنازلات الإقليمية. تُطالب روسيا والولايات المتحدة بسحب القوات الأوكرانية من نحو ربع محافظة دونيتسك وشريحة من محافظة لوغانسك المجاورة، وهي مناطق استراتيجية تمثل أهم حزام دفاعي للجيش الأوكراني ضد التقدم الروسي.
تُعرف هذه الأراضي محليًا باسم “دونباس”، وهي سهول شرقية واسعة تمثل قلب الصناعات الثقيلة لأوكرانيا سابقًا، وتجمع بين تنوع لغوي وثقافي معقد، حيث يُستخدم مزيج من الروسية والأوكرانية المعروف بـ”سورجيك”. تاريخيًا، صعبت هذه المنطقة على القوى الخارجية السيطرة عليها، كما وصفها ثوريون في العهد السوفيتي بأنها “منطقة سامة” تستدعي حزام حماية سياسي.

الحزام الدفاعي في دونباس يضم مدنًا رئيسية مثل بوكروفسك وكوستيانتيينيفكا ودروجيكيفكا وكрамاتورسك وسلوفيانسك، وقد أمّنت هذه المدن مقاومة حاسمة أمام القوات الروسية منذ بداية الحرب. إلا أن الجيش الروسي أحرز تقدمًا، حيث يسيطر جزئيًا على بوكروفسك ويقترب من مدخل كوستيانتيينيفكا الجنوبي، وفق المسؤولين العسكريين الأوكرانيين والمحللين.
خصصت أوكرانيا أكثر من مليار دولار في العام الماضي لتعزيز الدفاعات في هذه المنطقة، التي تتضمن أسوارًا متشابكة من الأسلاك الشائكة والخنادق والمناطق الملغومة، إضافة إلى الحواجز الطبيعية مثل المرتفعات والمحاجر ومخلفات التعدين. يوضح الخبراء أن أي تنازل عن هذه المدن سيمكّن روسيا من التوغل عميقًا في الأراضي الأوكرانية، ما يزيد المخاطر الأمنية بشكل كبير.

في الأسابيع الأخيرة، دفع فريق ترامب المفاوضين الأوكرانيين لقبول “مقايضة الأراضي” كجزء محتمل من اتفاق سلام، معتبرين أن التنازل عن ربع دونيتسك المتبقي سيوقف الحرب الطويلة والمدمرة. ترامب نفسه أكد أن أوكرانيا “لا تمتلك الأوراق” وقد تخسر المزيد في المعارك إذا رفضت تقديم التنازلات الآن.
لكن الرئيس فولوديمير زيلينسكي ومحللون أوروبيون يرفضون هذا المقترح، معتبرين أن أي تنازل عن دونباس سيكون بمثابة “ابتلاع حبة سم” سيقوض وحدة أوكرانيا ويترك المنطقة عرضة لهجمات مستقبلية. تشمل خطط ترامب الأولية إنشاء “منطقة منزوعة السلاح وحيادية” تعترف بها دوليًا كجزء من الأراضي الروسية، مع وعد بتوفير ضمانات أمنية متقدمة، على غرار خط الفصل بين كوريا الشمالية والجنوبية.

المحللون العسكريون يحذرون من أن أي منطقة منزوعة السلاح بدون قوات غربية قادرة على الرد على هجمات روسية ستكون مجرد تهدئة مؤقتة تمنح موسكو فرصة لإعادة تنظيم قواتها. كما أن عدم وضوح التفاصيل الفنية لخطة فصل القوات يثير مخاوف جدية حول قابليتها للتنفيذ.
على خلفية الاتفاقيات السابقة، مثل مينسك 1 و2، التي لم تحقق السلام ولم تمنح أوكرانيا ضمانات كافية، يرى الخبراء أن أي تنازل عن دونباس لن يوقف الطموحات الروسية التوسعية، إذ يظل الرئيس بوتين يرى أوكرانيا “جسرًا إلى أوروبا” ويستهدف استعادة النفوذ الإمبراطوري لروسيا.
اقرأ ايضَا: الجارديان: نواب أمريكيون يدينون مصادرة ناقلة نفط فنزويلية: “ترامب يقودنا نحو حرب”
باختصار، دونباس ليس مجرد منطقة نزاع عسكرية، بل يمثل حجر الزاوية في مستقبل أوكرانيا واستقرار المنطقة، وأي تنازل أمريكي أو أوروبي عنها قد يكون بداية لحرب جديدة أو صراع مجمد لا ينتهي.



