غزّة تحت وطأة الفيضانات: الأمطار تعمّق مأساة النازحين في المخيمات

تفاقمت الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة مع تعرضه لموجة جديدة من الأمطار الغزيرة المصحوبة بانخفاض حاد في درجات الحرارة، ما فاقم معاناة نحو 2.2 مليون نسمة يعيشون في ظروف استثنائية منذ سنوات. وتأتي هذه التطورات في وقت يعتمد فيه مئات الآلاف من السكان على خيام مؤقتة كملاجئ أساسية، بعد أن دمرت الغارات الإسرائيلية مساحات واسعة من البنية السكنية. ولم تعد الأمطار مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل تحولت إلى عامل تهديد مباشر لحياة النازحين، مع هشاشة الخيام وغياب شبكات تصريف المياه. وبينما يكافح السكان لتأمين احتياجاتهم اليومية من الغذاء والمياه والرعاية الصحية، تضيف الأحوال الجوية القاسية بعدًا جديدًا للأزمة، كاشفة حدود الاستجابة الإنسانية الحالية. ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل المناخية مع تبعات الصراع الممتد.

مخيمات غارقة وملاجئ غير صالحة للحياة
تدفقت مياه الأمطار بسرعة داخل المخيمات المكتظة، ما أدى إلى غمر خيام العديد من العائلات بالكامل، ودفع آلاف الأشخاص إلى الفرار بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا. وفي ظل غياب بنى تحتية حقيقية، تحولت الممرات الترابية بين الخيام إلى مجاري مياه، بينما انهارت بعض الملاجئ المؤقتة تحت وطأة الرياح والبرد. وأفادت مصادر محلية بأن مراكز الطوارئ، التي لجأت إليها العائلات المتضررة، تعاني بدورها من الاكتظاظ ونقص الإمكانيات، ما يحد من قدرتها على توفير حماية فعالة. ولا تقتصر المشكلة على فقدان المأوى فقط، بل تمتد لتشمل فقدان الممتلكات البسيطة التي تمثل كل ما تملكه هذه الأسر، من أغطية وملابس ومواد غذائية. ومع كل موجة مطر جديدة، تتكرس هشاشة واقع النازحين، وتزداد مخاطر تعرضهم للأمراض المرتبطة بالرطوبة وسوء الصرف الصحي.
أطفال في مواجهة البرد والفيضانات
في مشاهد تختزل حجم المأساة، شوهد أطفال فلسطينيون يسيرون وسط مياه الفيضانات داخل مخيمات الخيام، كما في منطقة دير البلح، في محاولة لمواصلة حياتهم اليومية رغم الظروف القاسية. هذه الصور لا تعكس فقط تأثير الأمطار، بل تكشف عمق الأزمة الاجتماعية والإنسانية التي يعيشها جيل كامل نشأ في ظل النزوح المستمر. ويؤكد مختصون أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا، سواء بسبب التعرض للبرد القارس أو لغياب بيئة صحية آمنة. كما أن انقطاع التعليم وتراجع الخدمات الأساسية يفاقمان من آثار الأزمة النفسية والجسدية عليهم. وفي ظل محدودية الموارد، تجد العائلات نفسها أمام خيارات قاسية بين البقاء في خيام غارقة بالمياه أو المخاطرة باللجوء إلى مراكز مكتظة تفتقر إلى أدنى مقومات الراحة والأمان.

استجابة إنسانية محدودة وتحذيرات متزايدة
حذر مسؤولون محليون وخبراء في الشؤون الإنسانية من أن استمرار الأحوال الجوية السيئة قد يؤدي إلى تفاقم الوضع بشكل خطير، في ظل ضعف الاستجابة الحالية مقارنة بحجم الاحتياجات. وتشير التقديرات إلى أن الموارد المتاحة لا تكفي لتأمين خيام مقاومة للمطر، أو لتوفير كميات كافية من الغذاء والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية. كما أن الكثافة السكانية العالية داخل المخيمات تزيد من مخاطر انتشار الأمراض، خاصة مع تلوث مصادر المياه وتعطل أنظمة الصرف. ويطالب الخبراء بتدخلات عاجلة ومستدامة، لا تقتصر على المساعدات الطارئة، بل تشمل تحسين ظروف الإيواء وتوفير حلول مؤقتة أكثر أمانًا. وفي ظل استمرار الصراع، تبقى معاناة غزة مفتوحة على احتمالات أكثر قسوة، حيث تتقاطع العوامل المناخية مع واقع إنساني هش، يضع السكان أمام تحديات يومية تهدد بقاءهم.



