فخّ بكين: كيف يضع الصين كير ستارمر أمام اختبار صعب بين المصالح الاقتصادية والقيم الديمقراطية

جاءت إدانة جيمي لاي، رجل الأعمال والناشر البريطاني وأحد أبرز رموز الحركة المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ، لتؤكد مجددًا نهج بكين الصدامي تجاه الغرب. فالمحاكمة التي وُصفت على نطاق واسع بأنها سياسية، انتهت بإدانة لاي بتهم “تقويض استقرار الحزب الشيوعي الصيني”، في خطوة تعكس ازدراءً صريحًا للتعهدات التي قطعتها الصين بالحفاظ على حريات هونغ كونغ بعد تسليمها عام 1997.
ورغم احتجاج لندن رسميًا، ووصف وزيرة الخارجية البريطانية للمحاكمة بأنها “ذات دوافع سياسية”، فإن تلك التصريحات لم تُحدث أي تغيير يُذكر. إذ بات واضحًا أن القيادة الصينية، بقيادة شي جين بينغ، لا تُولي وزنًا كبيرًا للاعتراضات البريطانية، في وقت تبدو فيه لندن مترددة وضعيفة في الرد.
زيارة ستارمر المرتقبة… توقيت إشكالي
تأتي قضية جيمي لاي في توقيت بالغ الحساسية، قبيل زيارة يعتزم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر القيام بها إلى بكين وشنغهاي مطلع العام المقبل، بهدف تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية.
ويرى منتقدو هذه الخطوة أن الزيارة تحمل دلالات سلبية، إذ تُعطي انطباعًا بتغليب المصالح الاقتصادية على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، في وقت تُصعّد فيه الصين من سياساتها القمعية داخليًا والخارجية عدوانيًا.
ستارمر دافع عن الزيارة باعتبارها “واجبًا” لتحسين العلاقات مع دولة وصفها بأنها “قوة حاسمة في التكنولوجيا والتجارة والحوكمة العالمية”، مع إقراره في الوقت نفسه بوجود تهديدات أمنية صينية، لكنه سعى إلى التقليل من شأنها.
مقاربة “التوازن” أم سذاجة سياسية؟
يعتمد ستارمر على سياسة الفصل بين الاقتصاد من جهة، والسياسة والأمن من جهة أخرى، في محاولة لتحقيق توازن دقيق. غير أن منتقديه يرون في ذلك نهجًا ساذجًا، لأن النظام الصيني – بخلاف الدول الديمقراطية – لا يفصل بين الحزب والدولة والاقتصاد والأمن.
فالصفقات التجارية والاستثمارات ليست محايدة سياسيًا، بل تُستخدم كأدوات نفوذ وضغط، وقد تُفضي إلى تقويض السيادة الوطنية على المدى الطويل.
الصين كتهديد غير مُعلن
تتزايد التحذيرات داخل بريطانيا من النشاطات الصينية، بدءًا من التجسس والهجمات السيبرانية، وصولًا إلى الضغط على المعارضين الصينيين في المنفى. أجهزة الاستخبارات البريطانية أكدت مرارًا أن البرلمان والشركات البريطانية أهداف دائمة لنشاطات استخباراتية صينية، ومع ذلك يُلاحظ تردد حكومي في اتخاذ خطوات حاسمة.
حتى الآن، لم تُصنّف الحكومة البريطانية الصين رسميًا كتهديد أساسي للأمن القومي، ما أثار انتقادات برلمانية حادة، واتهامات بـ”المماطلة” في مواجهة خطر واضح.
سجل حافل بالانتهاكات والتوسّع
يتجاوز التهديد الصيني البعد الأمني المباشر، ليشمل سجلًا واسعًا من انتهاكات حقوق الإنسان في هونغ كونغ، وشينجيانغ، والتبت، إضافة إلى سياسات تجارية عدوانية، وضغوط عسكرية على تايوان ودول الجوار، وشراكات استراتيجية مع روسيا وكوريا الشمالية وإيران.
ويرى محللون أن طموح بكين لا يقتصر على النفوذ الاقتصادي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل النظام الدولي وفق نموذج سلطوي يناقض القيم الليبرالية التي تقول بريطانيا إنها تدافع عنها.
ثمن الصمت البريطاني
يشير منتقدو ستارمر إلى أن بكين بدأت بالفعل بفرض “شروط مسبقة”، من بينها مطالبتها بالموافقة على إنشاء مجمّع دبلوماسي صيني ضخم في لندن. ويرون في ذلك مثالًا واضحًا على كيفية تداخل السياسة والأمن مع العلاقات الاقتصادية، وعلى طبيعة الضغوط التي قد تواجهها بريطانيا إذا استمرت في نهجها الحالي.
بديل استراتيجي ممكن
يرى محللون أن أمام لندن خيارًا أكثر واقعية يتمثل في إعادة بناء علاقاتها مع أوروبا، باعتبارها الشريك الطبيعي في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والدفاع عن القيم الديمقراطية.
فبدل الارتهان لقوى سلطوية كالصين أو الولايات المتحدة في ظل إدارة غير موثوقة، يمكن لبريطانيا أن تعزز موقعها ضمن الإطار الأوروبي، بما يحقق توازنًا أفضل بين المصالح والمبادئ.
الخلاصة
تكشف قضية جيمي لاي والجدل حول زيارة ستارمر إلى الصين عن معضلة استراتيجية تواجه بريطانيا: هل تُقدّم المصالح الاقتصادية قصيرة الأمد على حساب القيم والسيادة والأمن القومي؟
ويرى منتقدو الحكومة أن الشرط الأدنى لأي انفتاح جاد على بكين يجب أن يكون واضحًا: احترام حقوق الإنسان، وعلى رأسها الإفراج عن جيمي لاي. دون ذلك، قد يجد رئيس الوزراء نفسه – كما يحذّر مراقبون – يسير بثبات نحو فخّ صيني محكم الإغلاق.



