الجالية اليهودية في الإمارات تخفّض حضورها العلني في ظل تداعيات حرب غزة
بعد توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020 وتطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، شهدت الدولة الخليجية مشهدًا غير مألوف في المنطقة: احتفالات يهودية علنية، وإضاءة شموع “حانوكا” في فنادق كبرى، بل ونصب شمعدان (منوراه) قرب برج خليفة في دبي.
آنذاك، ازداد عدد اليهود المقيمين والزائرين، واعتُبرت الإمارات نموذجًا لـ“السلام الدافئ” والانفتاح الديني.
غير أن هذا المشهد تغيّر جذريًا منذ هجوم حماس في أكتوبر 2023 والحرب التي تلته في غزة. فبعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب، باتت الجالية اليهودية في الإمارات أقل ظهورًا، واختفت معظم مظاهر العبادة والاحتفال العلني.
إلغاء الفعاليات وتقليص الصلوات العامة
بحسب مسؤولين وأفراد من الجالية، أُلغيت تقريبًا جميع الصلوات العامة التي كانت تُقام يوميًا في قاعات فنادق دبي، بما في ذلك صلوات السبت والأعياد الكبرى. ولم يبقَ مفتوحًا بشكل رسمي سوى الكنيس في “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي، الذي يخدم نحو 600 يهودي مقيم في العاصمة. وفقَا لتقرير فايننشال تايمز
وقال مارك سيفرز، مدير اللجنة اليهودية الأميركية في أبوظبي، إن هناك “توجيهًا عامًا” منذ بداية حرب غزة من السلطات الإماراتية مفاده: “نحن هنا لحمايتكم وأنتم مرحب بكم، لكن يُفضّل خفض الظهور العلني”.

أسباب سياسية وأمنية
يرى مطّلعون أن دوافع هذا التحوّل مزدوجة:
-
سياسية: خشية من ردود فعل غاضبة في العالم العربي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي تجاه مظاهر يهودية أو إسرائيلية علنية.
-
أمنية: تصاعد المخاوف بعد حوادث استهداف اليهود في دول أخرى، أبرزها الهجوم على مهرجان يهودي في سيدني مؤخرًا، إضافة إلى مقتل الحاخام الإسرائيلي–المولدوفي تسفي كوغان في دبي العام الماضي، وهي حادثة هزّت الجالية الصغيرة هناك.
وبحسب مقيمين، تحوّل محيط “بيت العائلة الإبراهيمية” إلى ما يشبه “القلعة” مع تشديد أمني كبير.

العبادة مستمرة… لكن خلف الأبواب
في دبي، لم تختفِ الحياة الدينية اليهودية تمامًا، بل انتقلت إلى الفضاءات الخاصة. فبدل الصلوات العلنية، تُنظم تجمعات صغيرة في شقق وفيلات خاصة. ويؤكد أحد الإسرائيليين المنخرطين في شؤون الجالية أن من يعرف “الأشخاص المناسبين” لا يزال قادرًا على العثور على صلاة جماعية، وإن كانت غير معلنة.

العلاقات الرسمية لم تنقطع
رغم التوترات، تؤكد أبوظبي تمسّكها بالعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، معتبرة أن هذه القنوات مكّنتها من إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة والحفاظ على خطوط تواصل مهمة.
كما لا تزال الرحلات الجوية بين البلدين مستمرة بوتيرة مرتفعة نسبيًا، مع نحو 25 رحلة يومية في بعض الفترات، واستمرار عمل المطاعم الحلال (الكوشير) وشركات السياحة التي تخدم الزوار اليهود.

شعور بالأمان… مقارنة بالعالم
يقول العديد من اليهود والإسرائيليين المقيمين إنهم لا يزالون يشعرون بالأمان والترحيب في الإمارات، خصوصًا مقارنة بمدن أوروبية شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الحوادث المعادية لإسرائيل واليهود منذ أكتوبر 2023.
وتشدد السلطات الإماراتية على سجلها “المتميّز” في حماية السكان من مختلف الجنسيات والأديان، وعلى تعاملها السريع مع أي حوادث فردية.
اقرأ ايضَا: شركة إسرائيلية تسلّم دفعة جديدة من طائرات التجسس لعميل غامض
خلاصة
تعكس تجربة الجالية اليهودية في الإمارات تحوّلًا دقيقًا في التوازن بين التسامح والانفتاح من جهة، والاعتبارات الأمنية والسياسية من جهة أخرى.
فالحياة اليهودية لم تختفِ، لكنها أصبحت أكثر هدوءًا وأقل علنية، في رسالة غير مكتوبة مفادها: مرحبًا بكم، لكن دون ضجيج — على الأقل إلى أن تهدأ العاصفة الإقليمية.



