ما يحدث في أمريكا ليس فوضى… بل حصاد سنوات من الفساد
كتبت/ سلمى سعيد
يرى كثيرون ما يحدث في الشارع الأمريكي اليوم على أنه فوضى عابرة أو انفلات أمني مؤقت، لكن التوقف قليلًا أمام المشهد يكشف حقيقة أعمق: ما يحدث ليس فوضى، بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الفساد السياسي والأمني والاجتماعي. دولة لطالما قدّمت نفسها بوصفها نموذجًا للديمقراطية والعدالة، تبدو اليوم عاجزة عن حماية مواطنيها، أو حتى عن محاسبة مؤسساتها الأمنية.
أمريكا التي ترفع شعار حقوق الإنسان، وتنتقد دول العالم بحجة الديمقراطية، تواجه أزمة أخلاقية حقيقية داخل حدودها. أحدث هذه الوقائع مقتل امرأة تبلغ من العمر 37 عامًا، رينيه نيكول غود، بعد أن أطلق أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية النار عليها في مدينة مينيابوليس. الحادث لم يكن مجرد واقعة فردية، بل كشف تناقضًا صارخًا في رواية “الدولة الديمقراطية”.
وزارة الأمن الداخلي سارعت لتبرير الجريمة، ووصفت الضحية بأنها “مُثيرة شغب عنيفة” حاولت دهس عناصر إدارة الهجرة، في تكرار معتاد لروايات تبريرية جاهزة. لكن الرواية الرسمية قوبلت برفض واضح من المسؤولين المحليين، حيث وصف عمدة مينيابوليس، جاكوب فراي، ما حدث بأنه استخدام متهور للسلطة أدى إلى مقتل إنسانة، وطالب عناصر إدارة الهجرة بمغادرة المدينة.
الأخطر من الحادث نفسه، هو ما تبعه. إذ أفاد مسؤولون حكوميون بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي منعهم من المشاركة في التحقيق، في خطوة تطرح تساؤلات خطيرة حول الشفافية والمحاسبة. فكيف لدولة تدّعي الديمقراطية أن تمنع التحقيق المستقل في جريمة قتل ارتكبتها إحدى أجهزتها؟
هذا المثال ليس استثناءً، بل جزء من نمط متكرر. حين تصبح المؤسسات الأمنية فوق المساءلة، ويتحول الضحايا إلى متهمين، تسقط كل ادعاءات العدالة. الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على محاسبة نفسها قبل أن تحاسب الآخرين.
الفساد في أمريكا لم يعد مجرد فساد سياسي أو اقتصادي، بل فساد في منظومة العدالة ذاتها. سلاح في يد السلطة، وقانون يُفسَّر حسب المصلحة، ودم يُبرَّر تحت مسمى “الدفاع عن النفس”. وفي هذه اللحظة، لا يكون الخطر في الفوضى، بل في النظام الذي ينتجها ثم ينكر مسؤوليته عنها.
في النهاية، ما يحدث في الشارع الأمريكي هو نتيجة حتمية لتناقض طويل بين الخطاب والممارسة. أمريكا التي تنصّب نفسها قاضيًا على العالم، تعجز عن تحقيق العدالة داخل شوارعها. وحين يُقتل إنسان بلا محاسبة، فهذه ليست ديمقراطية… بل وجه آخر للفساد.



