فايننشال تايمز: شركات التعدين الصينية تحصد ثمار الذهب القياسي مع إعادة تسعير المخاطر النقدية
شهدت أسواق السلع العالمية خلال العام الماضي واحدة من أقوى موجات الصعود في أسعار المعادن، وفي مقدمتها الذهب، مدعومة بتزايد مشتريات البنوك المركزية وتصاعد المخاوف المرتبطة بالديون العالمية واستقلال السياسات النقدية. ورغم أن الأضواء انصبت تقليديًا على المعدن النفيس نفسه، فإن المستفيد الأكبر من هذه الطفرة لم يكن المستثمرين في الذهب الخام، بل شركات التعدين، وبشكل خاص عمالقة التعدين الصينيون. فقد أعادت القفزات القياسية في أسعار الذهب والفضة والنحاس رسم خريطة الربحية في القطاع، ودفعت أسهم شركات التعدين إلى مستويات غير مسبوقة. هذا التحول يعكس تغيرًا أعمق في ديناميكيات السوق، حيث باتت الشركات القادرة على الجمع بين التوسع الإنتاجي وضبط التكاليف هي الرهان الأبرز في دورة السلع الحالية.
من المعدن إلى السهم: لماذا تفوقت شركات التعدين؟
على مدار سنوات، لم يكن الاستثمار في شركات تعدين الذهب خيارًا بديهيًا حتى في فترات صعود الأسعار، إذ غالبًا ما كانت الأرباح تُستنزف بفعل التكاليف المرتفعة أو التوسعات غير المحسوبة. إلا أن المشهد تغيّر جذريًا في الدورة الحالية، حيث استفادت الشركات من الارتفاع الحاد في أسعار المعادن بوتيرة أسرع من نمو التكاليف. ويؤكد محللون أن الفارق الأساسي يكمن في الرافعة التشغيلية العالية، التي تسمح بتحويل أي زيادة في الإيرادات إلى قفزة كبيرة في الأرباح، طالما ظل التحوط السعري محدودًا. في هذا السياق، تفوقت أسهم شركات التعدين على الذهب نفسه، محققة عوائد مضاعفة للمستثمرين.
Zijin Mining: نموذج للصعود الصيني
تُعد مجموعة Zijin Mining، أكبر شركة تعدين في الصين، المثال الأبرز على هذا التحول. فقد قفز صافي أرباحها التقديرية إلى نحو 52 مليار يوان خلال عام واحد، بزيادة تقارب الثلثين، مدفوعة بارتفاع أسعار الذهب والنحاس والفضة إلى مستويات قياسية. وتضاعفت القيمة السوقية للشركة لتصل إلى نحو 130 مليار دولار، بعد أن قفز سهمها بأكثر من 100% خلال عام 2025. وتعكس هذه الأرقام ليس فقط قوة الأسعار، بل أيضًا قدرة الشركة على الاستفادة القصوى من الدورة الصعودية عبر تحسين الهوامش التشغيلية وتوسيع الإنتاج.
هوامش أقوى وقدرة أكبر على التوسع
أتاحت الهوامش المرتفعة لشركات التعدين الصينية إعادة استثمار الأرباح بوتيرة أسرع، ما عزز قدرتها على توسيع عملياتها. وتخطط Zijin لرفع إنتاج الذهب إلى أكثر من 105 أطنان، والنحاس إلى نحو 1.2 مليون طن خلال العام الجاري. كما تستهدف الشركة بلوغ حاجز 100 طن سنويًا من الذهب قبل الموعد المخطط له بعامين، مدفوعة باستحواذات استراتيجية في غانا وكازاخستان، إضافة إلى التوسع في منجم جولونغ للنحاس في إقليم التبت، وهي منطقة تتمتع فيها الشركات الصينية بمرونة تشغيلية أكبر مقارنة بنظيراتها الغربية.
الميزة الجيوسياسية للمعدّن الصيني
يلعب البعد الجيوسياسي دورًا محوريًا في تفوق شركات التعدين الصينية، إذ تتمتع هذه الشركات بإمكانية العمل في مناطق غنية بالموارد لكنها معقدة سياسيًا أو لوجستيًا بالنسبة للشركات الغربية. هذا الانتشار يمنحها وصولًا مبكرًا إلى احتياطيات استراتيجية، في وقت تواجه فيه مشاريع التعدين الجديدة في الغرب فترات موافقات طويلة وتكاليف تنظيمية مرتفعة. ومع تباطؤ نمو المعروض العالمي من الذهب، تصبح السيطرة على الأصول القائمة والقدرة على التوسع فيها عاملًا حاسمًا في تعزيز الأرباح المستقبلية.
مخاطر قائمة… لكن الذهب ما زال يدعم الدورة
رغم الأداء القوي، لا تخلو الصورة من مخاطر، إذ يمكن لأسعار السلع أن تنعكس بسرعة مع تغيّر المزاج الاستثماري. إلا أن محللين يرون أن الدورة الحالية مدعومة بعوامل أكثر متانة، في مقدمتها استمرار مشتريات البنوك المركزية، خصوصًا في الأسواق الناشئة، وإعادة تسعير المخاطر النقدية في ظل مستويات ديون تاريخية. ومع محدودية المعروض الجديد من المناجم، تظل شركات التعدين القادرة على الإنتاج والتوسع السريع هي المستفيد الأكبر، ما يجعلها — في هذه المرحلة — “الذهب الذي يلمع أكثر من المعدن نفسه”.



