تقرير الجارديان البريطانية: «الدولار يفقد مصداقيته»… لماذا تتسابق البنوك المركزية نحو الذهب؟
تكشف الجارديان البريطانية في هذا التقرير كيف أصبح الذهب مرة أخرى في قلب النظام المالي العالمي، بعدما بدأت البنوك المركزية حول العالم إعادة النظر في اعتمادها التاريخي على الدولار الأمريكي. في عالم تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية، وتتراجع فيه الثقة بقواعد النظام الاقتصادي الدولي، لم يعد الذهب مجرد أصل تقليدي، بل تحوّل إلى بوليصة تأمين سيادية ضد المخاطر السياسية والمالية. القصة التي بدأت بحادثة لافتة لسبائك ذهبية تُركت على مدرج مطار سويسري، تعكس حجم السباق العالمي المحموم لتكديس المعدن الأصفر، وسط مخاوف من تسييس الدولار، وتراجع استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، واستخدام الاحتياطيات المالية كسلاح في الصراعات الدولية.
حادثة على مدرج المطار… رمز لعصر جديد
لم تكن واقعة ترك ملايين الدولارات من سبائك الذهب الخاصة بصربيا على مدرج مطار سويسري مجرد خطأ لوجستي عابر، بل باتت رمزًا لمرحلة جديدة في إدارة الاحتياطيات النقدية. أولوية الشحن الجوي ما زالت تُمنح للزهور والمواد الغذائية، لكن السبائك الذهبية باتت فجأة من أكثر الأصول الاستراتيجية حساسية. هذه الحادثة تعكس السرعة والقلق اللذين يتحرك بهما محافظو البنوك المركزية، في سباق محموم لنقل الذهب إلى خزائن محلية محصنة، بعيدًا عن مراكز التخزين التقليدية في الغرب.

الذهب يعود إلى الواجهة بقوة غير مسبوقة
تشير الجارديان إلى أن حصة الذهب في احتياطيات البنوك المركزية تضاعفت خلال العقد الماضي، لتتجاوز ربع إجمالي الاحتياطيات العالمية، وهو أعلى مستوى منذ نحو 30 عامًا. هذا التحول يتزامن مع قفزة تاريخية في أسعار الذهب، التي سجلت مستويات قياسية تجاوزت 4,600 دولار للأونصة، مع توقعات بتخطي حاجز 5,000 دولار. ورغم أن ارتفاع الأسعار يضخم القيمة الاسمية للاحتياطيات، فإن الخبراء يؤكدون أن الدافع الأساسي هو البحث عن الأمان في عالم يتسم بعدم اليقين.

تآكل الثقة بالدولار والنظام المالي الأمريكي
أحد المحركات الرئيسية لهذا التحول، بحسب التقرير، هو تراجع الثقة في الدولار كمرساة للنظام النقدي العالمي. التدخلات السياسية في عمل الاحتياطي الفيدرالي، والقلق بشأن الاستدامة المالية للولايات المتحدة، واستخدام العقوبات الاقتصادية لتجميد احتياطيات دول أخرى، كلها عوامل دفعت البنوك المركزية للتساؤل: هل لا تزال الأصول المقومة بالدولار آمنة؟ يرى خبراء أن الخوف من المصادرة أو التجميد المفاجئ جعل الذهب، باعتباره أصلًا بلا جهة مُصدِرة، أكثر جاذبية من أي وقت مضى.
من بريتون وودز إلى عالم بلا يقين
تستعيد الجارديان السياق التاريخي للدولار، الذي تصدّر النظام المالي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، بعدما كان مرتبطًا بالذهب قبل أن يفك الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون هذا الارتباط في سبعينيات القرن الماضي. منذ ذلك الحين، تعيش العملات في نظام تعويم حر تحكمه الثقة والقوة الاقتصادية. لكن مع اهتزاز هذه الثقة، لم تجد البنوك المركزية بديلًا عملاتيًا قادرًا على الحلول محل الدولار، ما أعاد الذهب – الذي وصفه كينز يومًا بـ«الأثر البربري» – إلى الصدارة بوصفه مخزن القيمة

الأخير.
إعادة الذهب إلى الوطن… سيادة مالية قبل كل شيء
أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية هو تسارع عمليات إعادة الذهب من الخارج إلى الداخل. فدول مثل الهند وتركيا والمجر وبولندا سارعت إلى نقل سبائكها إلى خزائن محلية، بعد أن كشفت أزمات سابقة مخاطر الاحتفاظ بالأصول في دول أخرى. تجارب فنزويلا وروسيا، حيث جُمّدت الاحتياطيات أو مُنع الوصول إليها، عززت هذا التوجه. ووفق استطلاعات حديثة، تخطط غالبية البنوك المركزية لزيادة حيازتها من الذهب، وإعادة تقييم أماكن تخزينه.

هل الذهب نهاية الدولار أم صمام أمان؟
رغم هذا التحول الكبير، تؤكد الجارديان أن الدولار لم يفقد مكانته بعد، إذ لا يزال يشكل أكثر من نصف الاحتياطيات العالمية. غير أن غياب البديل الواضح لا يعني الاستقرار الدائم. الذهب يملأ الفراغ مؤقتًا، كحل وسط بين عملات تفتقر للحجم العالمي وأصول رقمية لم تنضج بعد. وفي عالم تتزايد فيه المخاطر، يبدو أن البنوك المركزية لا تراهن على إسقاط الدولار، بل على التحوّط من عالم قد يفقد فيه أي نظام نقدي موثوقيته فجأة.



